فهرس الكتاب
- 📄
فصح بنص الآية الجَلي الواضح أن هناك من يقع في الشرك وهو المستوجب إحباط العمل من غير أن يعلم أو يشعر لصريح قوله: {وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} ، فهذا برهان جلي واضح. أما من اعترض بأن رفع الصوت عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس شركًا وقد روي أنها نزلت في أبي بكرٍ وعمر فليس اعتراضه نشئ؛ لأن الآية تقول: {وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} ، فبطل التمويه.
الجواب:
هل المراد في قوله: {وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} ، الجهل بالحكم الشرعي أم الجهل بحبوط العمل؟
لوقلنا أن العمل يحبط مع عدم العلم بأن رفع الصوت عند النبي - صلى الله عليه وسلم - حرام للزم من ذلك أن نقول: أن أبا بكرٍ وعمر وثابت بن قيس بن شماس قد ارتدوا وهذا لم يقل به أحد حتى صاحب الاحتجاج بهذه الآية.
فعن ابن أبي ملكية قال: كاد الخيِّران أن يهلِكا أبو بكر وعمر؛ رفعا أصواتهما عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ... فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي، قال ما أردت خلافك. فارتفعت أصواتهما في ذلك فأنزل الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ ( .. } الآية.
وعن أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} ، وَكَانَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ رَفِيعَ الصَّوْتِ فَقَالَ: أَنَا الَّذِي كُنْتُ أَرْفَعُ صَوْتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، حَبِطَ عَمَلِي أَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَجَلَسَ فِي أَهْلِهِ حَزِينًا فَتَفَقَّدَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَانْطَلَقَ بَعْضُ الْقَوْمِ إِلَيْهِ فَقَالُوا لَهُ: تَفَقَّدَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، مَالَكَ؟ فَقَالَ: أَنَا الَّذِي أَرْفَعُ صَوْتِي فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَجْهَرُ بِالْقَوْلِ، حَبِطَ عَمَلِي وَأَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ. فَأَتَوْا النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَأَخْبَرُوهُ بِمَا قَالَ فَقَالَ: لَا بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
ويقول القرطبي: وليس قوله: {أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} ، بموجب أن يكفر الإنسان وهو لا يعلم، فكما لا يكون الكافر مؤمنًا إلا باختياره الإيمان على الكفر، كذلك لا يكون المؤمن كافرًا من حيث لا يقصد إلى الكفر ولا يختاره بإجماع. أهـ.
ومن ثم فالاحتمال الثاني هو الصحيح وهو أن قوله: {وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} معناه: أنكم لا تشعرون بحبوط العمل.