الصفحة 62 من 78

قال ابن حزم: قال أبو محمد: واحتج بعضهم بأن قال الله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}

قال أبو محمد: وآخر هذه الآية مبطل لتأويلهم؛ لأن الله وصل قوله يحسنون صنعا بقوله أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقاءه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا فهذا يبين أن أول الآية في الكفار المخالفين لديانة الإسلام جملة ثم نقول لهم لو نزلت هذه الآية في المتأولين من جملة أهل الإسلام كما تزعمون لدخل في جملتها كل متأول مخطئ في تأويلٍ في فتيا ولزمه تكفير جميع الصحابة؛ لأنهم قد اختلفوا وبيقين ندري أن كل امرئ منهم فقد يصيب ويخطئ بل يلزمه تكفير جميع الأمة؛ لأنهم كلهم لا بد من أن يصيب كل امرئ منهم ويخطئ بل يلزمه تكفير نفسه؛ لأنه لابد لكل من تكلم في شيء من الديانة من أن يرجع عن قول قاله إلى قول آخر يتبين أنه أصح إلا أن يكون مقلدًا فهذه أسوأ؛ لأن التقليد خطأ كله لا يصح ومن بلغ إلى ها هنا فقد لاح غوامر قوله وبالله تعالى التوفيق. وقد أقر عمر بن الخطاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه لم يفهم آية الكلالة فما كفره بذلك ولا فسقه ولا أخبره أنه آثم بذلك لكن أغلظ له في كثرة تكراره السؤال عنها فقط وكذلك أخطأ جماعة من الصحابة في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الفتيا فبلغه - عليه السلام - ذلك فما كفر بذلك أحد منهم ولا فسقه ولا جعله بذلك آثمًا؛ لأنه لم يعانده عليه السلام أحد منهم وهذا كفتيا أبي السنابل بن بعكعك في آخر الأجلين والذين أفتوا على الزاني غير المحصن الرجم وقد تقصينا هذا في كتابنا المرسوم بكتاب الإحكام في أصول الأحكام هذا وأيضا فإن الآية المذكورة لاتخرج على قول أحد ممن خالفنا إلا بحذف وذلك أنهم يقولون أن الذين في قوله تعالى: {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} ، هو خبر ابتداء مضمر ولا يكون ذلك إلا بحذف الابتداء كأنه قال: هم الذين ولا يجوز لأحد أن يقول في القرآن حذفًا إلا بنص آخر جَلِيّ يوجب ذلك أو إجماع على ذلك أو ضرورة حس فبطل قولهم وصار دعوى بلا دليل. وأما نحن فإن لفظة الدين عندنا على موضوعها دون حذف، وهو نعت للأخسرين ويكون خبرًا لابتداء قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا} ، وكذلك قوله تعالى: {وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ} ، فنعم هذه صفة القوم الذين وصفهم الله بهذا في أول الآية ورد الضمير

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت