يقول:
نعم قد تدفع الغيرة والعاطفة بعض أهل العلم أو طلابه إلى الحكم بتكفير كل تارك للصلاة دون اعتبار لجحود أو كسل! حرصًا - في ظنهم - على الترهيب الشديد من هذا العمل الجلل ورغبة - كما توهموا - في درء أي تساهل في الصلاة وحكمها قد يؤدي إلى التسيب في هذا الركن الإسلامي العظيم.
وقد يستدل بعضٌ من هؤلاء العلماء أو الطلاب على ذلك بشيء من الأدلة القرآنية أو النبوية التي سبقت أو غيرها لكن دون جمع بين الدلائل الواردة في هذه المسألة سلبًا أو إيجابًا - حينًا - أو بتقصير في هذا الجمع - أحيانًا -.
ولست في هذه المقدمة - فضلًا عما سيأتي في رسالة شيخنا - بمستوعب القول في دلائل المختلفين في هذه المسألة العظيمة وتحقيق مدارك الخلاف والنظر فيها فإن لهذا موضعًا آخر ولكني أكتفي هنا بذكر تنبيهات علمية مهمة قد تغيب عن عدد من طلاب العلم فأقول: ...
قال مقيده:
أنت تلاحظ أن عليّ حسن عبد الحميد فيما ذكره حتى الآن أنه نقل عن بعض أهل العلم أنهم حكوا الخلاف فيمن ترك الصلاة كسلًا ثم بدأ يدخل في نوايا طلاب العلم وفي نوايا أهل العم أنفسهم ويتهمهم بالغلاظة والشدة وأنهم تمذهبوا بهذا المذهب ظنًا منهم أن هذا سيؤدي إلي عدم التساهل وتوهُّمًا منهم كذا وكذا .... ومن ثَمَّ فالمسألة عند أهل العلم ليست مسألة أدلة!!!
يقول:
ولكني أكتفي هنا بذكر تنبيهات علمية مهمة قد تغيب عن عدد من طلاب العلم فأقول:
أولا: قال الإمام المُبَجَّل أحمد بن حنبل في وصيته لتلميذه الإمام الحافظ مسدَّد بن مُسَرْهََد: ولا يُخرج الرجل من الإسلام شيء إلا الشرك بالله العظيم أو يردُّ فريضة من فرائض الله - عز وجل - جاحدًا
بها فإن تركها كسلًا أو تهاونًًا: كان في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه [1] . . .
قلت: وهذا هو صريح ما جاءنا في الكتاب والسنة بعموم الحكم وخصوص مسألة ترك الصلاة: قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] وقال - صلى الله عليه وسلم:
خمس صلوات كتبهن الله على العباد من جاء بهن لم يضيع منهن شيئًا استخفافًا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة [2] .
قال مقيده:
أنت علمت أن الإمام أحمد قد ثبت عنه القول بتكفير من ترك الصلاة كسلًا في روايات، وأصحابه وأتباع مذهبه يحكون هذين القولين عن الإمام أحمد فمنهم من يرجح القول بعدم التكفير ومنهم من يرجح القول بالتكفير , حتى وإن كان الأكثرون يرجحون القول بعدم التكفير فهذا لا يعنينا، فالمهم هنا إثبات قولين عن الإمام أحمد في هذه المسألة.
فستجد في رسالة الشيخ الألباني هذه أنه يأتي بقولٍ لأحمد ويحاول أن يحمل القول الآخر عليه! هذه الفعلة ليست بأولى من العكس.
فعندما يأتي الإمام أحمد ويقول: ولا يُخرج الرجل من الإسلام شيء إلا الشرك بالله العظيم، نقول: نعم، وحيث أن الإمام أحمد في أحد قوليه قد ذهب إلى أن ترك الصلاة كسلًا: شِرك بالله العظيم، فيكون الشرك بالله هنا هو: ترك الصلاة. أو نقول: هذا القول بعدم التكفير مع القول الآخر بالتكفير، ولو فتحنا كتب الحنابلة ستجد أنهم يحكون قولين عن الإمام أحمد في هذه المسألة. وقد ذكر أيضًا الآجُرِّي في كتاب الشريعة، ومحمد بن نصر المروزي: رواية التكفير عن الإمام أحمد.
فإما أن نقول: ولا يُخرج الرجل من الإسلام شيء إلا الشرك بالله العظيم، يعني: ويتضمن الشرك بالله العظيم: كل ما حكم الله بأنه شرك. فالذي يرى أن السحر: شرك، فالشرك بالله يدخل في جملته: السحر. والذي يرى أن المسلم يكفر بترك شيء من المباني، فترك المباني أيضًا من الشرك. والذي يرى أن ترك الصلاة كسلًا: شرك؛ للأحاديث التي وردت، فترك الصلاة عنده يدخل في الشرك.
أو نقول: هذه هي الرواية التي لم يُكفر فيها تارك الصلاة كسلًا، ونحن نعترف بأن الإمام أحمد له روايتان في هذه المسألة.
(1) - طبقات الحنابلة (1/ 343) .
(2) - رواه: أبو داود (425) في كتاب الصلاة، باب: فيمن لم يوتر. والنسائي (1/ 230) باب: المحافظ على الصلوات الخمس. وابن ماجة (1401) في كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في فرض الصلوات الخمس. وأحمد (22693) ، (22704) ، (22720) ، (22752) . ومالك في الموطأ (400) باب: الأمر بالوتر، وابن حبان (1732) باب فضل الصلوات الخمس، و (2417) باب الوتر. من حديث عُبادة بن الصامت، واللفظ للنسائي.