وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ في يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيُرَى سَبِيلُهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ [1] ...
وهذا الحديث يدل على أن تارك الزكاة ليس بكافر. ووجه الدلالة من قول النبي - صلى الله عليه وسلم: فَيُرَى سَبِيلُهُ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ ... ؛ لأنه لو كان كافرًا لم يكن له سبيل إلى الجنة. وحينئذ نقول: دلالة الآية الكريمة على كفر تارك الزكاة: دلالة مفهوم، وحديث أبي هريرة الذي أشرتُ إليه دلالته على عدم كفر تارك الزكاة: دلالة منطوق. وقد قال علماء الأصول: إن دلالة المنطوق مقدمة على دلالة المفهوم.
أما إقامة الصلاة فليس في الكتاب ولا في السنة ما يدل على أن ترك الصلاة ليس بكفر. أي أنه لا يوجد في الكتاب ولا في السنة أن تارك الصلاة ليس بكافر ولا أن تارك الصلاة مؤمن ولا أن تارك الصلاة يدخل الجنة، ما وُجِدَ هذا حتى نلجأ إلى حمل الكفر على: كفر دون كفر.
فمن السنة: حديث جابر الذي أخرجه مسلم في صحيحه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة [2] . فالكفر هنا معرف بأل وإذا دخلت (الـ) على اسم الجنس صارت حقيقة فيه، وعلى هذا فيكون الكفر هنا حقيقة الكفر؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه: اقتضاء الصراط المستقيم , قال: إنَّ هناك فرق بين أن يقال: الكفر بـ (الـ) وبين أن يقال: كفر بدون (الـ) . ففي قوله - صلى الله عليه وسلم: اثْنَتَانِ فِى النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ الطَّعْنُ فِى النَّسَبِ وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّت [3] ، لا نقول: إن الطعن في النسب والنياحة على الميت: كفر مخرج عن الملة؛ لأنه جاء منكَّرًا , أي أن هذا من الكفر. لكن: بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة , فـ (الـ) هذا الدال على الحقيقة، ففيها دلالة واضحة على أن المراد بالكفر هنا: الكفر المخرج عن الملة [4] .
(1) - رواه مسلم من حديث أبي هريرة (2337) في كتاب الزكاة، باب إِثْمِ مَانِعِ الزَّكَاةِ.
(2) - أخرجه مسلم في كتاب الإيمان (82) , سنن الترمذي الإيمان (2620) , سنن أبو داود , السنة (4678) , سنن ابن ماجة إقامة الصلاة والسنة فيها (1078) , مسند أحمد بن حنبل (3/ 370) , سنن الدارمي الصلاة (1233) .
(3) - أخرجه مسلم (236) من حديث أبي هريرة في كتاب الإيمان، باب: إِطْلاَقِ اسْمِ الْكُفْرِ عَلَى الطَّعْنِ فِى النَّسَبِ وَالنِّيَاحَةِ عَلَى الْمَيِّتِ. وأحمد (2/ 377) . من حديث أبي هريرة.
(4) - قال ابن القوصي: يلزمهم أن يجيبوا عن هذا الحديث , وحين التقيتُ به قلت له: يا شيخ , الطعن في الأنساب غاية ما فيه أنه قذف , والمهم أنه , أقرَّ بهذا الأمر ثم بعد ذلك قال: يلزمهم أن يجيبوا عن حديث: من قال لأخيه يا كافر ... وقد أجبت عن هذا الحديث من قبل.