الصفحة 130 من 703

قال مقيده: وإن كنتُ لا أطمئن إلى أن كلمة الكفر إن كانت منكَّرة أو غير منكَّرة ... ؛ لأن الله - عز وجل - قال: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] ، فهي معرَّفة بالألف واللام ومع ذلك قال السلف: كفر دون كفر. بينما قال الله في موضع آخر: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِن اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} [المائدة:73] .

لكن على كل حال هذه طريقة ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله- ولكن لنا أن نقول: إن وردت هذه اللفظة بالألف واللام التي تفيد الجنس لكان هذا أولى وأحرى.

والشاهد: أن ما أدين الله - عز وجل - به أن لفظة الكفر - كما قال الحافظ في الفتح وغيره من أهل العلم-: لفظة الكفر في عرف الشرع محمولة على الكفر الأكبر المخرج من الملة إلا أن يصرفها عن حقيقتها صارف آخر من نص أو إجماع [1] .

قال ابن عثيمين: ثم كلمة: (بين) تدل على أن هناك حاجزًا بين الإسلام وبين الكفر، والكفر الذي هو دون كفر ليس بينه وبين الإسلام حاجزًا [2] ؛ لأن الكفر الذي دون الكفر لا يُخرِج من الإسلام , لكن الكفر المطلق هو الذي يُخرِجُ من الإسلام.

فإذا قلتَ: بين الشارع والمسجد جدار، فهل يقتضي ذلك أن الشارع داخل في المسجد والمسجد داخل في الشارع؟ أم كل واحد منفصل عن الثاني؟ بل كل واحد منفصل عن الثاني. فبين الرجل المسلم وبين الشرك والكفر: ترك الصلاة. إذن: صَرْفُ حاجز يُخرِجُ هذا عن هذا , ولا يمكن أن يكون تارك الصلاة له إسلام ولا المحافظ على الصلاة له الكفر.

وفي السنن عن بريدة بن الحصيب - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر [3] . والضمير في (بينهم) يعود على الكفار؛ فالفاصل الذي بين المسجد والشارع

(1) - قال الحافظ ابن حجر: وقال الطيبي: الحق أن المراد بالشرك: الشرك الأصغر وهو الرياء ويدل عليه تنكير شيئًا أي: شركًا أيًَّا ما كان. وتُعُقِّبَ بأن عرف الشارع إذا أطلق الشرك إنما يريد به ما يقابل التوحيد، وقد تكرر هذا اللفظ في الكتاب والأحاديث حيث لا يراد به إلا ذلك ويجاب بأن طلب الجمع يقتضي ارتكاب المجاز. أهـ. فتح الباري (1/ 127) طبعة دار طَيْبَة للنشر والتوزيع. كتاب الإيمان/ باب:11 , حديث رقم: (18) .

(2) - قال مقيده: عندما تقول: بين المسجد والطريق: هذا الجدار، فلو تجاوزت هذا الجدار ستكون في الطريق، فكذلك عندما يقول النبي - صلى الله عليه وسلم: بين الرجل وبين الشرك والكفر: ترك الصلاة. فلو قلنا: الكفر هنا هو الكفر دون كفر , فهذا معناه: إسلام , فسيكون المعنى: بين الرجل المسلم وبين الإسلام: ترك الصلاة! فهذا لا يستقيم، وهذا المعنى هو الذي يريده ابن عثيمين.

(3) - سنن الترمذي الإيمان (2621) , سنن النسائي الصلاة (463) ,سنن ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1079) , مسند أحمد بن حنبل (5/ 346) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت