الصفحة 132 من 703

وإنما أَعْرَضَ عنها البخاري مع أنها على شرطه؛ لزيادة وقعت فيها، فَتَحَرَّجَ منها الإمام البخاري , لكن أهل العلم بيَّنوا أن هذه اللفظة محمولة على المبالغة.

رأى رجلًا يصلي فلا يتم الركوع ولا السجود فقال له حين انصرف من صلاته: منذ كم وأنت تصلي هذه الصلاة؟ فقال: منذ أربعين سنة [1] .

وجه الإشكال أن حذيفة مات سنة 36 فهذا معناه أن هذا الرجل كان يصلي هذه الصلاة أربع سنين قبل الهجرة.

فهذا هو محل الإشكال بالنسبة للبخاري - كما قال الحافظ: وقد يكون أعرض عن هذه الرواية؛ لأنه استشكل هذه الزيادة لكن هذا الرقم , والسبعين , والمائة ... كل هذه الأرقام محمولة على المبالغة وذلك كأن تقول مثلًا: قلتُ لك أربعين مرة لا تفعل هذا , مع أنه لم يقل له إلا مرتين أو ثلاثة وهو يعلم أن السامع يفهم أنه يريد أن يقول: قد نبهت عليك كثيرًا.

فقال حذيفة لهذا الرجل: لئن مُتَّ وأنت تصلي هذه الصلاة لمت على ملة غير ملة محمد - صلى الله عليه وسلم -.

لكن في بعض الطرق: على فطرة. وفي بعضها: سنة. فلفظة: الملة عندما تأتى معها الفطرة والسنة، أيهما أولى بالحمل على الآخر؟ فالسنة يعني: الطريقة. فاستفاد بعض أهل العلم من هذا الحديث أن حذيفة كان مذهبه أن تارك الصلاة كافر؛ فإذا كان هذا الرجل يصلى لكن صلاته كانت باطلة فأرشده إلى الصواب وبين له حكم تارك الصلاة؛ لأن الذي يوقع الصلاة باطلة كأنه لم يفعلها

(1) - أخرجه البخاري (382) , (775) في كتاب الصلاة، باب: إذا لم يتم السجود. بلفظ: عن أبي وائل عن حذيفة: رأى رجلًا لا يتم ركوعه ولا سجوده فلما قضى صلاته قال له حذيفة: ما صليت , - قال: وأحسبه قال - ولو مُتَّ , مُتَّ على غير سنة محمد - صلى الله عليه وسلم -.

وأخرجه برقم: (758) في كتاب الأذان، باب: إذا لم يتم السجود , بلفظ: رأى حذيفة رجلًا لا يتم الركوع والسجود قال: ما صليت , ولو مُتَّ مُتَّ على غير الفطرةٍِ التي فطر الله محمد - صلى الله عليه وسلم - عليها.

وقال الحافظ في الفتح: في رواية عبد الرزاق: فجعل ينقر ولا يتم ركوعه , زاد أحمد ...: منذ كم صليت؟ فقال: منذ أربعين سنة , ومثله في رواية الثوري , وللنسائي ... مثله. وفي حمله على ظاهره نظر , وأظنُّ ذلك هو السبب في كون البخاري لم يذكر ذلك؛ وذلك لأن حذيفة مات سنة ست وثلاثين فعلى هذا يكون ابتداء صلاة المذكور قبل الهجرة بأربع سنين أو أكثر , ولعل الصلاة لم تكن فرضت بعد , فلعله أطلق وأراد المبالغة. أو لعله ممن كاد يصلي قبل إسلامه ثم أسلم فحصلت المدة المذكورة من الأمرين. قوله: (ما صليت) هو نظير قوله - صلى الله عليه وسلم - للمسيء صلاته: فإنك لم تصل. واستُدل به على وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود وعلى أن الإخلال بها مبطل للصلاة وعلى تكفير تارك الصلاة؛ لأن ظاهره أن حذيفة نفى الإسلام عمن أخل ببعض أركانها فيكون نفيه عمن أخل بها كلها أولى وهذا بناء على أن المراد بالفطرة الدين وقد أطلق الكفر على من لم يصل كما رواه مسلم وهو إما على حقيقته عند قوم وإما على المبالغة في الزجر عند آخرين ... أهـ من الفتح (2/ 713:712) . طبعة دار طَيْبَة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت