وأما بالنسبة لقاعدة الوعد والوعيد أقول: اعلم يا أخي: أن الوعد والوعيد الذي تكلم عنه شيخ الإسلام , يكون حين ترد النصوص بالثواب والعقاب. وأنا تعمَّدت أن أذكر أرقام الصفحات كي تراجع فإنني راجعتُ هذا الكلام رغم أنني قرأته من قبل.
فقاعدة الوعد والوعيد تكون - كما قلتُ - حين تَرِد النصوص في الثواب والعقاب، كقول النبي - صلى الله عليه وسلم: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة [1] . وكقول النبي - صلى الله عليه وسلم: لعن الله النَّامِصَةُ وَالْمُتَنَمِّصَةُ وَالْوَاشِمَةُ ... [2] . أو قوله - صلى الله عليه وسلم: صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا ... وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلاَتٌ مَائِلاَتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لاَ يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلاَ يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا [3] .
فهذه المرأة ورد الوعيد في حقها؛ لأنها ارتكبت معصية بل ارتكبت كبيرة من الكبائر، وليس معنى ذلك أن كل من ارتكب معصية ورد فيها وعيد بالنار أنه يدخل النار حتمًا؛ لأنه قد يتوب أو يأتي بحسنات تذهب ما ارتكب من سيئات أو تصيبه مصيبات مكفرة، فالمصائب كفرات للذنوب كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو قد يدعو له أخوه دعوة بظهر الغيب فيستجيب الله - عز وجل - لها فيرحمه بها، وقد يتداركه الله - عز وجل - برحمته بغير شيء أصلًا؛ فهو لا يُسئل عما يفعل، وغيره يُسأل؛ ولذلك يقول الله: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} . وفي الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه [4] . فهو في المشيئة لكن لا عهد له عند الله.
فهذه نصوص الوعد والوعيد. أما النص الذي نحن بصدده فهذا نص يتعلق بالأحكام، فمثله كمثل قول النبي - صلى الله عليه وسلم: لا يقبل الله صَلاَةُ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ [5] . فلا يصح أن نقول: هذا النص
(1) - أخرجه الترمذي (2638) في كتاب الإيمان، باب: ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله , وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الترمذي.
(2) - صحيح: أخرجه أبو داود (4172) في كتاب اللباس، باب: فِى صِلَةِ الشَّعْرِ. وانظر صحيح الترغيب والترهيب (2101) , والحديث من حديث ابن عباس.
(3) - أخرجه مسلم (5704) في كتاب اللباس والزينة، باب: النِّسَاءِ الْكَاسِيَاتِ الْعَارِيَاتِ الْمَائِلاَتِ الْمُمِيلاَتِ.
(4) - أخرجه البخاري (18) في كتاب فضائل الصحابة , باب: وفود الأنصار إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة وبيعة العقبة , ومسلم (4558) في كتاب الحدود , باب: الحدود كفارات لأهلها.
(5) - أخرجه البخاري (135) في كتاب الوضوء , باب: لا تقبل صلاة بغير طهور , و (6554) في كتاب الحيل , باب: في الصلاة. ومسلم (559) في باب: وُجُوبِ الطَّهَارَةِ لِلصَّلاَةِ. وأبو داود (60) في باب: فَرْضِ الْوُضُوءِ , والترمذي (76) في باب: الوضوء من الريح. وأحمد (8078, 8222) .