فيُخشى أن يكون هؤلاء قد وقعوا في هذا الباب من هذه الناحية، لا من ناحية عدم إكفارهم لتارك الصلاة، فإن الإمام الشافعي - رضي الله عنه - لا يكفر تارك الصلاة ولكن لأدلة ذكرها , وكذلك كل من لم يكفر تارك الصلاة.
أما من رأيتَه يقول: ولما كان الإيمان هو التصديق فلا يكون الكفر إلا بالتكذيب، فاعلم أن هذا وقع في شبهة من شُبَه المرجئة؛ لأن أهل السنة عندهم أن الإيمان داخل في مسمى العمل.
فالمرجئة قالوا: الإيمان هو التصديق لكنهم اختلفوا: هل هو التصديق باللسان فقط، فهذا قول الكرَّامية. وطبعًا هذا لا يُسمى في اللغة مصدقًا ولا في الشرع مصدقًا - كما قال تعالى-: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1] . فرغم أنهم صدقوا باللسان، حكم الله عليهم بالكذب. والعكس بالعكس، فمنهم من قال: الإيمان هو التصديق بالقلب فقط وليس من الضروري أن يصدق باللسان , وهؤلاء هم الجهمية وقد قال الله - عز وجل: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [الأنعام: 33] , فرغم أنهم كذبوا النبي - صلى الله عليه وسلم - باللسان إلا أنَّ الله حكم عليهم بالتكذيب؛ لأن قلوبهم عرفت الحق {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} .
إذن: لا يُسمى من صدَّق بالقلب وكذب باللسان، أو صدَّق باللسان وكذب بالقلب، لا يُسمى مصدقًا حتى يجمع بين الأمرين: التصديق بالقلب وباللسان. وهنا تأتي مرحلة ثانية وهي أن يقال لهم: كل مصدق بشيء فهو مؤمن به. فمن صدَّق بأن عيسى ابن الله من مريم - تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا - هذا مصدق بهذه المسألة، فهو مؤمن بها، أفنسميه مؤمنًا؟ قالوا: لا، لا نسميه مؤمنًا.
لماذا؟
قالوا: لأن الشرع بيَّن أن اسم الإيمان إنما يُطلق على أمور مخصوصة.
فقال لهم أهل السنة: فحيث جاء الشرع فلا تحتجوا باللغة. فلا تموهوا باللغة بعد أن جاء الشرع واجعلوا الحكم للشرع. وقد قضى الشرع بأن الأعمال داخلة في مسمَّى الإيمان سواء في قوله - عز وجل: