وهنا لابد من أن نأتي بحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري ومسلم [1] أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ... حتى إذا فرغ الله من القضاء بين عباده وأراد أن يُخرج من النار من أراد أن يُخرج ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله أمر الملائكة أن يخرجوهم فيعرفونهم بعلامة آثار السجود وحرم الله على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود فيخرجونهم قد امْتُحِشُوا فيصب عليهم ماء يقال له ماء الحياة فينبتون نبات الحبة في حميل السيل ...
قال مقيده: هذا نفس سياق حديث أبي سعيد والذي ورد فيه ذكر قبضة أرحم الراحمين، ويؤيد ذلك: أن هؤلاء آخر فوج يخرجون من النار حيث قال: ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار ...
إذن: كل من في النار ممن يشهد أن لا إله إلا الله وأراد الله أن يخرجهم، تعرفه الملائكة بعلامة آثار السجود، فيخرجون وقد امْتُحِشُوا، فيصب عليهم ماء يقال له ماء الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل ويبقى رجل، سيذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه آخر أهل الجنة دخولًا الجنة.
قال: ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار فيقول: يا رب، قد قَشَبَنِي ريحها، وأحرقني ذَكَاؤُها، فاصرف وجهي عن النار. فلا يزال يدعو الله فيقول: لعلك إن أعطيتك أن تسألني غيره. فيقول: لا، وعزتك لا أسألك غيره. فَيَصْرِفُ وجهه عن النار، ثم يقول: بعد ذلك: يا رب، قربني إلى باب الجنة. فيقول: أليس قد زعمت أن لا تسألني غيره؟ ويلك ابن آدم ما أغدرك. فلا يزال يدعو، فيقول: لعلي إن أعطيتك ذلك تسألني غيره. فيقول: لا، وعزتك لا أسألك غيره. فيعطي الله من عهود ومواثيق أن لا يسأله غيره، فيقربه إلى باب الجنة، فإذا رأى ما فيها سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول: رب أدخلني الجنة. ثم يقول: أوليس قد زعمت أن لا تسألني غيره؟ ويلك يا ابن آدم، ما أغدرك. فيقول: يا رب، لا تجعلني أشقى خلقك. فلا يزال يدعو حتى يضحك، فإذا ضحك منه أَذِنَ له بالدخول فيها، فإذا دخل فيها قيل له: تَمَنَّ من كذا. فيتمنى، ثم يقال له: تَمَنَّ من كذا. فيتمنى، حتى تنقطع به الأماني، فيقول له: هذا لك وَمِثْلُهُ معه.
قال أبو هريرة: وذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولًا.
قال عطاءٌ وأبو سعيد الخدريُّ جالس مَعَ أَبِي هريرةَ لا يُغَيِّرُ عليه شيئًا من حديثه حتى انتهى إلى قوله: (( هذا لك ومثله معه ) )، قال أبو سعيد: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( هذا لك وَعَشَرَةُ أمثاله ) ). قال أبو هريرة حفظت: (( مثله معه ) ).
(1) - انظر الفتح (15/ 131) كتاب الرقاق، باب: الصراط جسر جهنم، حديث رقم: 6573. طبعة دار طَيْبَة.