عنده أن الله تعالى قاله , أو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاله , فيستجيز خلاف الله تعالى , وخلاف رسوله - عليه الصلاة والسلام - وسواء كان ذلك في عقد دين أو في نِحلة أو في فُتيا، وسواء كان ما صح من ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منقولًا نقل إجماع تواتر، أو نَقْلَ آحاد، إلا أن مَن خالف الإجماع المتيقن المقطوع على صحته فهو أظهر في قطع حجته ووجوب تكفيره لاتفاق الجميع على معرفة الإجماع وعلى تكفير مخالفته؛ برهان صحة قولنا: قول الله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115] .
قال أبو محمد: هذه الآية نص بتكفير من فعل ذلك. فإن قال قائل: أن من اتبع غير سبيل المؤمنين فليس من المؤمنين.
قلنا له وبالله تعالى التوفيق: ليس كل من اتبع غير سبيل المؤمنين كافرًا؛ لأن الزنا وشرب الخمر وأكل أموال الناس بالباطل ليست من سبيل المؤمنين وقد علمنا أن مَن اتبعها فقد اتبع غير سبيل المؤمنين وليس مع ذلك كافرًا، ولكن البرهان في هذا قول الله - عز وجل: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] [1] .
قال أبو محمد: فهذا هو النص الذي لا يحتمل تأويلًا ولا جاء نص يخرجه عن ظاهره أصلًا [2] .
• وقال في مراتب الإجماع:"واتفقوا أنه مذ مات النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد انقطع الوحي وكَمُل الدين واستقر وأنه لا يحل لأحد أن يزيد شيئًا من رأيه بغير استدلال منه، ولا أن ينقص منه شيئًا، ولا أن يبدل شيئًا مكان شيء، ولا أن يُحْدِثَ شريعة، وأن من فعل ذلك كافر". اهـ.
(1) - يعني: إن أردنا أن نضرب مثالًا: رجلٌ زنى. فقيل له: إن الله - عز وجل - حرم الزنا. قال: نعم، أنا مقر بأن الله - عز وجل - حرم الزنا، وسأزني، هذا الرجل لا يُمكن أن يكفر إلا عند الخوارج والمعتزلة.
رجل آخر زنى. فقيل له: إن الله تعالى قد حكم بأن الزنا كبيرة معصية. فقال: أنا أريد حكم القانون الوضعي، لا أريد حكم الله - عز وجل - في هذه المسألة. الفارق بين الاثنين واضح أم لا؟
(2) - الفِصَل في الملل والأهواء والنِّحل (3/ 249) .