الصفحة 293 من 703

وأقرَّه شيخ الإسلام ابن تيمية في نقد مراتب الإجماع، فلم يُعلق على هذا الموضع من مواضع الاتفاق.

• وهذا الاتفاق يا إخواننا هو نفس الإجماع الذي نقله ابن كثير في البداية والنهاية، حيث قال: فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه؟ مَن فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين [1] .

وهذه الشرائع المنسوخة مُحرَّفة كالإنجيل، فيه حق مختلط بباطل، والحق الذي فيه منسوخ لكنه كان دينًا شرعه الله - عز وجل -، وتَعَبَّد الناسَ به في وقت من الأوقات.

• وقال ابن حزم وهو يتكلم عن:"هل شرع من قبلنا شرع لنا"وأنت تعرف أن أهل العلم مختلفين في هذه المسألة على قولين: قول يقول: شرع من قبلنا ليس شرعًا لنا إلا أنت يأتي في شرعنا ما يوافقه. وقول يقول - العكس: شرع من قبلنا شرع لنا، إلا أن يأتي في شرعنا ما يخالفه. فابن حزم طبعًا انتصر للمذهب الأول، أن شرع من قبلنا ليس شرعًا لنا إلا إن أحالنا عليه كتاب ربنا أو سنة نبينا - صلى الله عليه وسلم -، وهذا هو الصواب، وهو مذهب جمهور أهل العلم، فردَّ على المخالفين فقال:"ومن حججهم أنهم قالوا: قال الله تعالى: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47] ."

قال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه، لا خلاف بين اثنين من المسلمين أن هذا منسوخ، وأن من حكم بحكم الإنجيل مما لم يأت بالنص عليه وحي في شريعة الإسلام فإنه كافر مشرك خارج عن الإسلام [2] "."

• وقال ابن حزم:"فإن كان يعتقد أنَّ لأحد بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يحرم شيئًا كان حلالًا إلى حين موته - عليه السلام -، أو يحل شيئًا كان حرامًا إلى حين موته - عليه السلام -، أو يوجب حدًا لم يكن واجبًا إلى حين موته - عليه السلام -، أو يشرِّعَ شريعة لم تكن في حياته - عليه السلام - فهو كافر مشرك حلال الدم والمال حكمه حكم المرتد ولا فرق [3] ."

(1) - البداية والنهاية (13/ 139) .

(2) - الإحكام في أصول الأحكام (5/ 173) .

(3) - المصدر السابق (1/ 73) .

• قلت - المحقق: وقد وقفت على إجماعين آخرين - وإن كانت هذه المسألة من الوضوح بمكان لا يُخفى ومحل ... لا يُجهل:

(الأول) : حكاه صاحب"المنار" (6/ 304) طبعة المكتبة العلمية سنة 199 م , في تفسير قوله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ... } [المائدة: 33] , قال ~: ومن المسائل المُجمع عليها قولًا واعتقادًا أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق , وإنما الطاعة في المعروف , وأن الخروج على الحاكم المسلم إذا ارتد على الإسلام واجب , وأن إباحة المجمع على تحريمه كالزنا والسكر واستباحة إبطال الحدود , وشرع ما لم يأذن به الله: كفر وردة. اهـ.

(والثاني) : حكاه العلامة القرآني صاحب"أضواء البيان"في محاضرة بعنوان"الإسلام دين كامل"طبعة مكتبة ابن تيمية صـ 15 بعد ذكر قوله تعالى: {وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى (( (( (( (( (( (( (( (( لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: 121] , قال: وعدم دخول الفاء على جملة {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} قرينة ظاهرة على تقدير لام توطئة القسم , فهو قَسَم من الله أقسم به جل وعلا في هذه الآية الكريمة على أن مَن أطاع الشيطان في تحليل الميتة أنه مشرك , وهو شرك أكبر مخرج عن الملة الإسلامية بإجماع المسلمين. اهـ. وقال أيضًا في"أضواء البيان"عند تفسير قوله - سبحانه وتعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء:9] , قال: فهو قسم من الله - جلَّ وعلا - أقسم به على أن من اتبع الشيطان في تحليل الميتة أنه مشرك، وهذا الشرك مخرج عن الملة بإجماع المسلمين، اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت