وأما كفر العمل فهو نوعان: نوع يضاد الإيمان ونوع لا يضادّه، ثم نقل عن ابن القيم كلامًا في هذا المعنى [1] .
ثم قال السيد المذكور"قلت: ومِن هذا - يعني الكفر العملي - من يدعو الأولياء، ويهتِفُ بهم عند الشدائد، ويطوف بقبورهم، ويقبِّل جدرانها وينذر له بشي من ماله، فإنه كفر عملي لا اعتقادي، فإنه مؤمن بالله وبرسوله - صلى الله عليه وسلم -، وباليوم الآخر، ولكن زيَّن له الشيطان أن هؤلاء عباد الله الصالحين ينفعون ويشفعون ويضرون فاعتقدوا ذلك كما اعتقد ذلك أهل الجاهلية في الأصنام، لكن هؤلاء مثبتون التوحيد لله، لا يجعلون الأولياء آلهة كما قاله الكفار إنكارًا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما دعاهم إلى كلمة التوحيد: {أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا} [ص: 44] . فهؤلاء جعلوا لله شركاء حقيقة فقالوا في التلبية: لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك، فأثبتوا للأصنام شركة مع رب الأنام، وإن كانت عباراتهم الضالة قد أفادت أنه لا شريك له؛ لأنه إذا كان يملكه وما ملك فليس بشريك له تعالى بل مملوك."
فعباد الأصنام الذين جعلوا لله أندادًا واتخذوا من دونه شركاء، وتارة يقولون إنهم شفعاء يقربونهم إلى الله زلفى، بِخِلافِ جَهَلَةِ المسلمين الذين اعتقدوا في أوليائهم النفع والضر، فإنهم مقرّون لله بالوحدانية وإفراده بالإلهية وصدَّقوا رسله، فالذي أتوه من تعظيم الأولياء: كفر عمل لا اعتقاد، فالواجبُ وعظُهُم وتعريفُهم جهلهم وزجرهم ولو بالتعزير، كما أُمِرنا بحدِّ الزاني والشارب والسارق من أهل الكفر العملي ... إلى أن قال: فهذه كلها قبائح محرمة مِن أعمال الجاهلية، فهو مِن الكفر العملي، وقد ثبت أن هذه الأمة تفعل أمورًا من أمور الجاهلية هي من الكفر العملي كحديث:"أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة". أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي مالك الأشعري.
فهذه من الكفر العملي، لا تَخرجُ به الأمةُ مِن الملةِ، بل هم مع إتيانهم لهذه الخَصلة الجاهلية، أضافهم - صلى الله عليه وسلم - إلى نفسه فقال:"من أمتي".
فإن قلت: أهل الجاهلية تقول في أصنامها أنهم يقربونهم إلى الله زلفى كما يقوله القبوريون، {وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} كما يقوله القبوريون.
(1) - هذا الجزء هو الذي حذفه علي بن حسن حين نقل عن ابن القيِّم.