وسواء ظنَّ مُنفِقُها أنه يُحَصِّل بها مصلحة، وهو لا يُحَصِّل بها إلا الخراب والهلاك، كالزاني الذي يستأجر امرأة بائعة هوى، هذا يظن أنه يبذل ماله لتحقيق مصلحة، وهي مصيبة كُبرى.
فهذا الذي ينذر لهؤلاء الأموات، ويأتي من مكان بعيد لينحرَ ناقة عند الأعتاب، هل هذا يدل على اعتقاد النفع والضر في هؤلاء؟
طبعًا: العبث: لا يُرى في هؤلاء؛ فالعابث يتضح كلامه. فلو جاء واحد ليصليَ على سبيل العبث، مَن حَوله يُدرك أنه يعبث.
(( يقول ) ): فليت شعري! ما هو الحامل له على الدعاء والاستغاثة، وتقبيل الجدارات، ونذر النذورات؟ هل هو مجرد اللعب والعبث من دون اعتقاد؟ فهذا لا يفعله إلا مجنون. أم الباعث عليه الاعتقاد في الميت؟ فكيف لا يكون هذا من كفر الاعتقاد الذي لولاه لم يصدر فعل مَن تلك الأفعال؟
ثم انظر كيف اعترف بعد أن حكم على هذا الكفر بأنه كفر عمل لا كفر اعتقاد بقوله:"لكن زين له الشيطان أن هؤلاء عباد الله الصالحين ينفون ويشفعون، فاعتقد ذلك جهلًا كما اعتقده أهل الجاهلية في الأصنام"، فتأمل كيف حكم بأن هذا كفر اعتقاد ككفر أهل الجاهلية، وأثبت الاعتقاد
واعتذر عنهم بأنه اعتقاد جهل ... [1] .
(( قال مقيده ) ):
فانظر إلى طريقة الشوكاني، فهو هنا عَلَّق على أمرين:
الأمر الأول: أنه أثبت التناقض في كلام"محمد بن الأمير"، كيف تقول أنه عمل، ثم تُصَرِّح بأنه اعتقاد؟
الأمر الثاني: حتى لو صَرَّح أنه اعتقاد، هل يٌقبل هذا منه مع المقدمات التي قُدِّمت؟
لا يُقبل إلا بهذه الكيفية.
فلماذا إذن: إن كان يعتقد أن هذا من الضلال المُبين، ومن الشرك برب العالمين، كيف هذه الأفعال؟
أهو عابث؟ أم مجنون؟ أم أن هذه الأفعال تدل على الاعتقاد؟
(1) - رسالة للشوكاني بعنوان:"كتاب الدُّرِّ النضيد في إخلاص كلمة التوحيد"صـ 32.