فهرس الكتاب
(( قال مقيده ) ):
هذا الكلام إن لم يكن بدريًا، لكن لو كان بدريًا، فما هو الأمر إذن؟
تعالوا ننظر ماذا قال شيخ الإسلام.
يقول: فإن قيل: ففي رواية صحيحة أنه كان من أهل بدر، وفي الصحيحين عن علي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم [1] ،
ولو كان هذا القول كفرا لَلَزِم أن يغفر , الكفر والكفر لا يغفر , ولا يقال عن بدري: إنه كفر [2] .
فيقال: هذه الزيادة ذكرها أبو اليمان عن شعيب ولم يذكرها أكثر الرواة فيمكن أنها وهم كما وقع في حديث كعب وهلال بن أمية أنهما لم يشهدا بدرًا [3] وكذلك لم يذكره ابن إسحاق في روايته عن الزهري ولكن الظاهر صحتها.
فنقول: ليس في الحديث أن هذه القصة كانت بعد بدر [4] فلعلها كانت قبل بدر وسمِّي الرجل بدريًا؛ لأن عبد الله بن الزبير حدَّث بالقصة بعد أن صار الرجل بدريًا [5] .
فعن عبد الله بن الزبير عن أبيه أن رجلًا من الأنصار خاصم الزبير عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شراج الحَرَّة التي يسقون بها النخل فقال الأنصاري: سَرِّح الماء يمر. فأبى عليه فاختصما عند رسول الله
(1) - وهذا عندما بعث النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عليَ وَالزُّبَيْرَ وَالْمِقْدَادَ فَقَالَ: ائْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابٌ فَخُذُوهُ مِنْهَا. فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا فَإِذَا نَحْنُ بِالْمَرْأَةِ فَقُلْنَا: أَخْرِجِي الْكِتَابَ. فَقَالَتْ: مَا مَعِي كِتَابٌ. فَقُلْنَا: لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَتُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ. فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَإِذَا فِيهِ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِى بَلْتَعَةَ إِلَى نَاسٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: يَا حَاطِبُ مَا هَذَا؟ قَالَ: لاَ تَعْجَلْ عَلَىَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِى قُرَيْشٍ - قَالَ سُفْيَانُ: كَانَ حَلِيفًا لَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا - وَكَانَ مِمَّنْ كَانَ مَعَكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَتَّخِذَ فِيهِمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي وَلَمْ أَفْعَلْهُ كُفْرًا وَلاَ ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي وَلاَ رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلاَمِ. فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: صَدَقَ. فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ. فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُم.
(2) - انتبه فهذا هو وجه الإشكال الذي جعل ابن التين يقول:"فإن كان بدريًا فمعنى قوله: {لَا يُؤْمِنُونَ} لا يستكملون الإيمان".
(3) - وممن ذهب إلى أنهما لم يشهدا بدرًا: ابن الجوزي، ولم يُصب في ذلك كما قرره الحافظ ابن حجر تقريرًا في غاية البيان في قصة كعب بن مالك في كتاب المغازي (7/ 724) ، والصحيح أن هذين الرجلين شهدا بدرًا، كما قال كعب، والقصة ثابتة في البخاري، قال:"فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ قَدْ شِهِدَا بَدْرًا".
(4) - وهذا كلام الداودي.
(5) - انته، فإنه سيأتي بالمؤيدات على ذلك.