الصفحة 411 من 703

ألا ترى قدامة بن مظعون ـ و كان بدريًا ـ تأوَّل في خلافة عمر ما تأول في استحلال الخمر من قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} [المائدة:93] الآية حتى أجمع رأى عمر وأهل الشورى أن يُستتاب هو وأصحابه فإن أقرًّوا بالتحريم جُلِدوا وإن لم يُقِرُّوا به كفروا، ثم إنَّه تاب وكاد ييأس لعظم ذنبه في نفسه حتى أرسل إليه عمر - رضي الله عنه - بأول سورة غافر، فَعُلِم أن المضمون للبدريين أن خاتمتهم حسنة وأنهم مغفور لهم وإن جاز أن يصدر عنهم قبل ذلك ما عسى أن يصدر فإنَّ التوبة تجبُّ ما قبلها [1] . اهـ.

(( قال مقيده ) ):

يعني يريد أن يقول: عمر بن الخطاب الذي قال له النبي - صلى الله عليه وسلم:"وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُم"، هو وأهل شورته، استقر بهم الأمر على أن يأتوا بقدامة بن مظعون ليستتاب، فإن تاب، جُلِدَ، وإن لم يتب، قُتِلَ ردةً، ولم يكن هذا مستحيلًا عندهم.

ومعنى:"اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُم"، أي: فإني غافر لكم، كما ورد في رواية الطبري - وسأقرأ عليكم الكلام بعد قليل إن شاء الله -.

يعني: أنكم إن عملتم شيئًا فاستغفرتموني، فسأغفر لكم، وخاتمتكم في مجملها خاتمة حسنة. لكن قبل ذلك إن أصاب أحد منهم حدًَّا - كقدامة ومسطح - (( يُحدُّ ) ).

وقول ابن التين مبنيٌّ على قوله - صلى الله عليه وسلم - لعمر:"وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُم".

قال الحافظ: قوله:"اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"كذا في معظم الطرق.

وعند الطبري من طريق معمر عن الزهري عن عروة"فإني غافر لكم"وهذا يدل على أن المراد بقوله:"غفرت"أي: أغفر، على طريق التعبير عن الآتي بالواقع مبالغة في تحققه.

وفي مغازي بن عائذ من مرسل عروة"اعملوا ما شئتم فسأغفر لكم"والمراد غفران ذنوبهم في الآخرة، وإلا فلو وجب على أحدهم حد مثلًا لم يسقط في الدنيا.

(1) - الصارم المسلول على شاتم الرسول صـ (529) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت