فهرس الكتاب
وقال ابن الجوزي [1] : ليس هذا على الاستقبال وإنما هو على الماضي، تقديره:"اعملوا ما شئتم أي عمل كان لكم فقد غُفِر"قال: لأنه لو كان للمستقبل كان جوابه فسأغفر لكم ولو كان كذلك لكان إطلاقًا في الذنوب ولا يصح ويبطله أن القوم خافوا من العقوبة بعد حتى كان عمر يقول: يا حذيفة بالله هل أنا منهم.
وتعقبه القرطبي [2] بأن اعملوا صيغة أمر وهي موضوعة للاستقبال ولم تضع العرب صيغة الأمر للماضي لا بقرينة ولا بغيرها؛ لأنهما بمعنى الإنشاء والابتداء، وقوله"اعملوا ما شئتم"يُحمل على طلب الفعل ولا يصح أن يكون بمعنى الماضي ولا يُمكن أن يُحمل على الإيجاب فتعيَّن للإباحة , قال: وقد ظهر لي أن هذا الخطاب خطاب إكرام وتشريف تضمَّن أنَّ هؤلاء حصلت لهم حالة غُفِرَت بها ذنوبهم السالفة وتأهَّلوا أن يُغفرَ لهم ما يُستأنف من الذنوب اللاحقة ولا يلزم من وجود الصلاحية للشيء وقوعه، وقد أظهر الله صدق رسوله في كل من أخبر عنه بشيء من ذلك فإنهم لم يزالوا على أعمال أهل الجنة إلى أن فارقوا الدنيا ولو قُدِّرَ صدور شيء من أحدهم لبادر إلى
التوبة ولازم الطريق المثلى، ويَعلم ذلك من أحوالهم بالقطع من اطلع على سيرهم [3] . اهـ.
(( قال مقيده ) ):
إذن: كل هذا الكلام نقوله لماذا؟
نقوله: لنردَّ إشكال ابن التين: إن كان بدريًا فمعنى قوله: {لَا يُؤْمِنُونَ} : لا يستكملون الإيمان. فشيخ الإسلام يقول كل هذا الكلام؛ ليقرر أن المنفي أصل الإيمان، وهو ما ذكره الشيخ سيد قطب، قال:"يزول الإيمان بالكلية، ويثبت النفاق". والأخ قال:"هذا كلام يأباه سبب النزول أولًا".
وأنتَ عرفتَ أن سبب النزول الذي ذهب إليه الأكثرون: قصة الرجل المسلم الذي خاصم اليهودي إلى كعب بن الأشرف، وهذه نمرة (1) .
نمرة (2) لو قرَّرنا أنَّ سبب النزول: قصة الزبير، فيكون هذا الرجل منافقًا.
ستقول: كيف يكون هذا الرجل منافقًا، وكان بدريًا؟
(1) - كشف المشكل (1/ 142) ح 78، 85.
(2) - المُفهِم (6/ 441) .
(3) - فتح الباري (8/ 503 - 504) كتاب التفسير، سورة الممتحنة.