فهرس الكتاب
وأنّي أَدِينُ لَكُمْ أنَّهُ سَيُنْجِزُكُمْ ربكم ما زعم [1]
إذا عرفت هذا فنقول: الذي في هذه الآية المراد به الكذب، لأن الآية نزلت في المنافقين.
المسألة الثانية: ذكروا في أسباب النزول وجوهًا:
الأول: قال كثير من المفسرين [2] : نازع رجل من المنافقين رجلًا من اليهود فقال اليهودي: بيني وبينك أبو القاسم، وقال المنافق: بيني وبينك كعب بن الأشرف، والسبب في ذلك أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يقضي بالحق ولا يلتفت إلى الرشوة، وكعب بن الأشرف كان شديد الرغبة في الرشوة، واليهودي كان محقًا، والمنافق كان مبطلًا، فلهذا المعنى كان اليهودي يريد التحاكم إلى الرسول، والمنافق كان يريد كعب بن الأشرف، ثم أصر اليهودي على قوله، فذهبا إليه - صلى الله عليه وسلم -، فحكم الرسول - عليه الصلاة والسلام - لليهودي على المنافق، فقال المنافق: لا أرضى انطلق بنا إلى أبي بكر، فحكم أبو بكر - رضي الله عنه - لليهودي فلم يرض المنافق، وقال المنافق: بيني وبينك عمر، فصارا إلى عمر فأخبره اليهودي أن الرسول - عليه الصلاة والسلام - وأبا بكر حكما على المنافق فلم يرض بحكمهما، فقال للمنافق: أهكذا؟ فقال: نعم، قال: اصبرا إن لي حاجة أدخل فأقضيها وأخرج إليكما. فدخل فأخذ سيفه ثم خرج إليهما فضرب به المنافق حتى بَرَد وهرب اليهودي، فجاء أهل المنافق فشكوا عمر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأل عمر عن قصته، فقال عمر: إنه رد حكمك يا رسول الله، فجاء جبريل - عليه السلام - في الحال وقال: إنه الفاروق فرَّق بين الحق والباطل، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمر:"أنت الفاروق"وعلى هذا القول الطاغوت هو كعب بن الأشرف [3] .
الرواية الثانية في سبب نزول هذه الآية: أنه أسلم ناس من اليهود ونافق بعضهم، وكانت قريظة والنضير في الجاهلية إذا قَتل قرظيٌّ نضريًا قُتل به وأخذ منه دية مائة وَسَقٍ من تمر، وإذا قَتل نضريٌّ قُرظيًا لم يقتل به، لكن أعطي ديته ستين وَسَقًَا من التمر، وكان بنو النضير أشرف وهم حلفاء الأوس، وقريظة حلفاء الخزرج، فلما هاجر الرسول - عليه الصلاة والسلام - إلى المدينة
(1) - وطبعاُ: الزعم من الله هو الحق.
(2) - لاحِظ أَنَّ هذا الكلام نقله القرطبي أيضًا عن كثير من المفسرين؛ حيث نقل كلام الطبري، قال: وقد تابعه عليه كثير من المفسرين، وجزم به القاضي ابن العربي، وقال: لا يصح غيره.
(3) - انتبه مرة أخرى، فأنا ما أتعرض إلى تصحيح القصة من عدمها؛ أريد فقط أن أُبيِّن لك فَهم أهل العلم. فعندما يأتي واحد ويستدل بهذه القصة، تنظر: هل فَهمه للآية في ضوء الاستدلال بهذه القصة كما قال سيد قطب، أم أن سيدًا ~ انفرد بهذا الفهم الحرُّوري؟