فهرس الكتاب
قتل نضري قرظيًا فاختصما فيه، فقالت بنو النضير: لا قصاص علينا، إنما علينا ستون وَسَقًَا من تمر على ما اصطلحنا عليه من قبل، وقالت الخزرج: هذا حكم الجاهلية، ونحن وأنتم اليوم إخوة، وديننا واحد ولا فضل بيننا، فأبي بنو النضير ذلك، فقال المنافقون: انطلقوا إلى أبي بَرْذة [1] الكاهن الأسلمي، وقال المسلمون: بل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأبى المنافقون وانطلقوا إلى الكاهن ليحكم بينهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ودعا الرسول - عليه الصلاة والسلام - الكاهن إلى الإسلام فأسلم، هذا قول السدي، وعلى هذا القول الطاغوت هو الكاهن.
الرواية الثالثة: قال الحسن: أن رجلًا من المسلمين كان له على رجل من المنافقين حق، فدعاه المنافق إلى وثن كان أهل الجاهلية يتحاكمون إليه، ورجل قائم يترجم الأباطيل عن الوثن، فالمراد بالطاغوت هو ذلك الرجل.
الرواية الرابعة: كانوا يتحاكمون إلى الأوثان، وكان طريقهم أنهم يضربون القداح بحضرة الوثن، فما خرج على القداح عملوا به، وعلى هذا القول فالطاغوت هو الوثن.
واعلم أن المفسرين اتفقوا على أن هذه الآية نزلت في بعض المنافقين، ثم قال أبو مسلم: ظاهر الآية يدل على أنه كان منافقًا من أهل الكتاب، مثل أنه كان يهوديًا فأظهر الإسلام على سبيل النفاق؛ لأن قوله تعالى: {يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} إنما يليق بمثل هذا المنافق.
المسألة الثالثة: مقصود الكلام أن بعض الناس أراد أن يتحاكم إلى بعض أهل الطغيان ولم يُرِدِ التحاكم إلى محمد - صلى الله عليه وسلم -. قال القاضي: ويجب أن يكون التحاكم إلى هذا الطاغوت كالكفر، وعدم الرضا بحكم محمد - عليه الصلاة والسلام - كفر، ويدل عليه وجوه:
الأول: أنه تعالى قال: {يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ} فجعل التحاكم إلى الطاغوت يكون إيمانا به، ولا شك أن الإيمان بالطاغوت كفر بالله، كما أن الكفر بالطاغوت إيمان بالله.
(1) - المكتوب"أبي بُرذة"وقال الشيخ: الصواب"أبي بَرذة"أظن هذا تصحيفًا.