الصفحة 425 من 703

فأما العامل فلا عمل له إلا في استخراج الأموال من أيدي الرعايا وقد صار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل ولاية منحصرًا في ثلاثة أشخاص: عامل، وكاتب، وحاكم. فأما العامل فلا عمل له إلا استخراج الأموال من أيدي الرعايا من حلها ومن غير حلها، وبالحق وبالباطل وقد استعان علي ذلك بالمشايخ الذين هم من العرفاء، المنصوص عليهم من معلم الشريعة - صلى الله عليه وسلم - أنهم في النار. فيتسلط كل واحد منهم على من تحت يده من المستضعفين ويصنع بهم كما أراد وكيف أحب من طرق العامل فيأخذ ما يشاء، ويدفع ما يشاء، وليس هذه الخصلة علي الخصوص. ولم يُسمع علي تطاول الأيام وتعاقب السنين أن فردًا من أفراد هؤلاء العمال أمر الرعايا بما

أوجب الله من الفرائض التي لا فسحة فيها ولا مندوحة عنها، كالصلاة والصيام أو نهاهم عن شيء من المنكرات التي يرتكبونها، بل جرت عادة كثير من العمال أن يأخذ في.

وهكذا في الأشياء التي هي منكرات مجمع علي تحريمها كالزنا والسرقة، وشرب المسكرات، إذا وقع بعض الرعية في شيء منه ذلك أن يأخذ شيئًا من مال من فعل ذلك بل وقوع الرعايا في هذه المعاصي من أحب الأشياء إلي العامل؛ لأن ذلك يفتح له باب أخذ الأموال فيتكاثر عنده السحت ويتوفر له المقبوض. فانظر أي فاقره في الدين كانت ولاية العامل؟ وأي قاصمة، وأي شر في، وأي بلاء صب علي دين الله: من تولية رجل لا يأمر بفعل ما أوجب الله، ولا ينهي عن فعل ما حرم الله، بل يود ذلك من السحت، ويصل إلي شيء من الحرام؟ فهل أقلَّت الأرض مما أظلَّت السماء أفسد لدين الله، وأجرأ علي معاصيه من هذا؟ وهل ممن مشي علي رجلين أخسر صفقة منه وأخبث سعيًا؟ وناهيك برجل لو كَفَرَ مَن تحت ولايته من الرعايا كفر فرعون لكان يرضيه من، بل ذلك أحب إليه من صلاح الرعايا وتمسكهم بدين الإسلام وقبولهم شرائعه؛ لأنه لا ينفق سوق ظلمه ويدور عليه ثدي سحته إلا الرعايا في مخالفة الشرع وخروجهم عن سبيل إلي هذه المخازي منه والفضائح له: أن يرابي علي رؤوس الأشهاد ربًا مجمعًا على تحريمه، ويصحب جماعة من المعاملين بالربا، فيأخذ منهم عند الحاجة بالزيادة من الربا، ويضيفها على الرعية، ويسلط هؤلاء المعاملين بالربا علي الضعفاء. وهل أقبح من هذا الذنب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت