الصفحة 430 من 703

تسليط الفِرِنْج ونحوهم؛ فاعتبروا يا أولي الأبصار. إن في هذا لعبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. والحاصل: أنه لا

خروج لمن كان قادرًا علي إصلاح هذا القسم. والقسم الأول - وهم الرعايا - من غضب الله وعقابه إلا ببذل الجهد من النفس والمال في إصلاح الرعايا وتعليمهم الإسلام وشرائعه وإلزامهم بها. والأخذ على الولاة في الأقطار أن يكون معظم سعيهم وغاية همهم هو دعوة من يتولون عليه من الرعايا إلى ما أوجبه الله عليهم

، ونهيهم عما نهاهم الله عنه، وانتخاب القضاة في كل قطر أولًا ممن جمع

الله لهم بين العلم والعمل والتقوى والورع ويكونون ثانيًا من الباذلين نفوسهم لإصلاح الرعايا وتعلمهم فرائض، ودفع المظالم، التي لا سبيل لها في الشريعة المطهرة، ويقبضون ما أوجب الله عليهم ويدفعونه إلى إمام المسلمين، فإنَّ في ذلك ما هو أنفع من الضرائب والمكوس التي تؤخذ على وجه الظلم وعلى طريقة الجور

، والخير كل الخير في موافقة الأمور الشرعية والشر كل الشر في مخالفتها. ومن جملة ما يأخذون عليهم: إصلاح عقائدهم وأن ينبئهم أن الله هو الضار النافع، القابض الباسط، وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ولا يضره غيره، ويزجروهم إِنْ الاعتقادات اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ قرية معلمًا صالحًا يُعَلِّمُ أهلها وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ الوجه الشرعي، ويأمرهم بالمواظبة على الصلاة في أوقاتها؛ ويُلزموا ذلك المعلم أن يعلمَهم سائر لفرائض التي أوجبها الله

عليهم ويُلزموهم القيام بها؛ وأن يشددوا النكير والعقاب لمن لم يأت بما فرض الله عليه أو لم يجتنب ما نهاه لله عنه، ويكون ذلك عزيمة صحيحة مستمرة وأمرًا مضبوطًا دائمًا. ولا يكون هذا مثل ما كان من الأمر لأهل صنعاء؛؛ فإن الأمور الشرعية والفرائض الدينية هي التي شرع الله نصب الأئمة والسلاطين والقضاة لإقامتها، ولم يشرع نصب هؤلاء لجمع المال من غير وجهه ومصادرة الرعايا في أموالهم بأضعاف ما أوجبه الله عليهم وترك إلزامهم بفرائض الله تعالي التي أهمها: توحيد العبادة والصلاة والصوم والحج والزكاة وإخلاص النية للعمل والتوحيد

لله، وترك نهيهم عما نهاهم الله عنه من البدع والخرافات والشرك بالأولياء والمعاصي التي صاروا يفعلونها ويقرون عليها مما هو معلوم لكل أحد. وليس على إمام المسلمين ووزرائه إلا انتخاب العمال والقضاة وإلزامهم بأن يكون معظم اشتغالهم بتدبير الرعايا في العقائد والأموال والأبدان، وفي الدين والدنيا، ثم من قام به من العمال إلى من قام بهذا الأمر، وبذل فيه وسعه، ويقرونه، ويعزلون ويعاقبون من لم يقم به ويبذل فيه وسعه. فبهذا يدفع الله الشرور عن البلاد والعباد من قد صار في بعض أطرافها من الله، بل يتجاوزون ذلك إلا، كما بلغنا أنهم يقتلون النساء الحوامل والصبيان، ويَشقُّون بطون الحوامل الله عليه وسلم -، نهى عن، ولم يُحِلَّ للمسلمين أن يقتلوا صبيان المشركين وعجائزهم ونساءهم. وأما العمال والقضاة الذين صاروا يتولون البلاد في هذه الأعصار فهم من أعظم الأسباب الموجبة لنزول العقوبة، وتسليط الأعداء وضياع

البلاد والعباد، وسفك الدماء، واستحلال الحرام. فكيف لا يقع هذا التسليط، وعامل البلاد على هذه الصفة التي قدَّمنا ذكرها؟ ومن أول، وتعرضهِ لغضبهِ وسخطهِ: أنه يطلب تلك الولاية بالأموال يقدمها من أموال المرابين، فيقع في الربا الذي هو من أعظم المعاصي الموجبة للحرب من الله، أن يخرجَ من بيته ويقبض مرسوم ولايته؟ وقد يكون الذي ولَّاه عالمًا بأن ذلك المال هو الربا فيقعان جميعًا في الله ولعنته قبل المباشرة للولاية. وإذا كان هذا أول ما يُفتتح به هذه الولاية الملعونة. فما ظنك

بما يحدث بعد ذلك من الظلم والجور والعسف، وإهمال ما أخذه الله على الولاة. من إرشاد الضال من الرعايا وهداية الجاهل؟ وهكذا ولاية القاضي الشيطان في هذه الأزمان، فإنه تُفتتح بشيء من السحت يدفعه من قضاة النار إلى مَنْ ولَّاه، بعد أن يستعينَ بالسفهاء، فكيف يُفلح هذا القاضي الجاهل بالشرائع الذي اشترى هذا المنصب الديني بماله، وقام به في حصوله وقعد، مع أن الشارع - صلوات الله عليه وسلامه - نهى أن يُوَلَّى القضاء من يطلبه، فضلًا عن مَن اشتراه بماله؟ وكيف يَصلح

الرعايا؟ كلا والله، بل هو بلاء صبَّه الله على العباد صبًا، ومِحنة، امتحنهم الله بها، وسبب من أسباب، ولمن ولَّاه عليهم من أولي الأمر. أما القسم من الأقسام الثلاثة التي ذكرنها - وهم الساكنون في المدن، فهم وإن كانوا أبعد الناس من الشر وأقربهم إلى الخير، يُهملون كثيرًا من الفرائض جهلًا وتساهلًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت