سلام عليك، أما بعد: والذي نفسي بيده لو قتلتَه لقتلتُكَ به , ولو قطعته لقطعتك به , ولو جلدته لأقدته منك , فإذا جاءك كتابي هذا , فاخرج به إلى الكناسة فسبه كالذي سبني , أو اعف عنه , فإن ذلك أحب إليَّ , فإنه لا يحل قتل امرئ مسلم يسب أحدًا من الناس إلا رجلًا سب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وسائر أصحاب الحديث وأصحابهم إلى أنه بذلك كافر مرتد.
قال أبو محمد: فلما اختلفوا كما ذكرنا وجب أن ننظر فيما احتج به كل طائفة لقولها؛ لنعلم الحق من ذلك فنتبعه بعون الله وتأييده. فوجدنا من قال: لا يكون بذلك كافرًا يحتجون بما روينا من طريق مسلم بن الحجاج ... عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - لما كان يوم خيبر آثَرَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ناسًا في القسمة فقال رجل: والله إن هذه لقسمه ما أريد بها وجه الله تعالى. فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرتُه بما قال، فتغير وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى كان كالصرف، ثم قال: من يعدل إذ لم يعدل الله ورسوله يرحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر. وبما روينا من طريق البخاري عن ابن مسعود - رضي الله عنه - كأني أنظر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يحكي نبيًا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.
قال أبو محمد: وكل هذا لا حجة لهم فيه: أما القائل في قسمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه قسمة ما عدل فيها ولا أريد بها وجه الله تعالى , فقد قلنا: إن هذا كان يوم خيبر , وأن هذا كان قبل أن يأمر الله تعالى بقتل المرتدين، وليس في هذا الخبر أن قائل هذا القول ليس بكافر بقول ذلك [1] . وأما حديث النبي الذي ضربه قومه فأدموه فكذلك أيضًا، ومعنى دعاء ذلك النبي - عليه السلام - لهم بالمغفرة إنما هو بأن يؤمنوا فيغفر الله تعالى لهم ويُبيِّن أنهم كانوا كفارًا به قوله:"فإنهم لا يعلمون"فصح أنهم كانوا لا يعلمون نبوَّتَه، فصح أن كلا الخبرين لا حجة لهم فيه [2] .
(1) - أضف إلى كلام أبي محمد بن حزم: ما ذكره شيخ الإسلام في الصارم المسلول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إما أنه ترك قتل هؤلاء؛ لأنه لم تقم عليهم البنية في حديث ابن مسعود هذا؛ فإن ابن مسعود ذهب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بمقالة هذا الرجل المنافق والحجة لا تقوم بشاهد واحد فقط لاسيما وأنهم كانوا إذا حقق معهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما نُسِبَ إليهم أنكروه. وأما هذا الذي اتهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بعدم العدل وجهًا لوجه، فقد ذكر شيخ الإسلام أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يترك هؤلاء لمصالح ولدفع مفاسد، فقد كان يتركهم تَأَلُّفًا لهم لعلهم يُسلمون وكان يتركهم أيضًا؛ لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه. .
(2) - لأنه لا يضرب مسلمٌ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا الأمر فيه إجماع، والأخبار مستفيضة في ذلك قبل هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث كان يتعرض للأذى وللضرب وللخنق، وضُرب حتى أُغشى عليه وأُلقيَ عليه سلا الجذور، ومعلومٌ الحوار الذي دار بينه وبين ملك الجبال حين أُخرجَ من الطائف.