أقول: قد قررنا فيما سبق أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الفرائض الإسلامية وأهم الواجبات الدينية , والظالم إذا قام بذلك فقد قام بحق وإذا احتاج إلى من يعينه على ذلك كانت إعانته واجبه؛ لأنها إعانة على حق وقيام لأجل الحق لا لأجل الظالم نفسه , ومعلوم أن الحق لا يخفى , فهذا المُعين للظالم على الحق قد دخل تحت قول المصنف فيما سبق:"فصل: ويجب على كل مكلف الأمر بما علمه معروفًا والنهي عما علمه منكرًا"؛ لأنه مع حاجة الظالم القائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى إعانته قد صار مكلفًا بذلك لتكليفه به ابتداءًا فلا حاجة إلى ذكر هذه الصورة بخصوصها ها هنا. ومن هذا القبيل إعانة الأقل ظلمًا من الفسقة على الأكثر ظلمًا إذا كان يندفع بهذه الإعانة ظلم الأكثر ظلمًا أو بعضه فإن هذا داخل تحت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وأما قوله:"مهما وقف على الرأي".
فوجهه إذا لم يقف على رأي المعينين له المؤمنين خبط في الضلالة لكن ليس المطلوب إلا توقفه على رأيهم في نفس دفع ظلم الأكثر ظلمًا في جميع الامور فإن المفروض أنه ظالم وعليهم الإنكار عليه في ظلمه الخاص به بما يجب عليهم وما يستطيعونه.
وأما قوله:"ما لم يؤدي إلى قوة ظلمه".
فليس له كثير فائدة؛ لأنه من المفروض أنه أقل ظلمًا وأنه يندفع بقيامه وإعانة المعينين له ظلمًا أكبر أو بعضه , فلو كانت هذه الإعانة مؤدية إلى قوة ظلمه بحيث يصير مثل الظالم الآخر أو أكثر ظلمًا منه , كان في إعانته إنشاء ظلم لم يكن وإحداث منكر لم يقع , وترك التعرض لذكر مثل هذا: أقْوَم من التعرض لدفع منكر هو واقع، لا بسبب إعانتهم لفاعله؛ لأنهم مشاركون في هذا الظلم لا في ذاك.
قوله:"ويجوز إطعام الفاسق وأكل طعامه".
أقول: هذا الجواز معلوم لا شك فيه وقد جاز في الكفار , قال الله - عز وجل - {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} [المائدة: 5] . وقد أكل النبي - صلى الله عليه وسلم - من طعام الكفار كما في الشاه التي أهدتها له اليهودية بعد أن طبختها , لكن إذا كانت مؤاكلة الفاسق تؤدي إلى فتور المؤمن عن القيام بما يجب عليه إنكاره على الفاسق أو تؤدى إلى تجرئ الفاسق على فسقه كان هذا وجهًا للمنع من هذه الحيثية لا من حيثية كونه فاسقًا.