الصفحة 43 من 121

[الكاتب: حامد بن عبد الله العلي]

لا يرى شيئا سواها ... لا شيء قد تغير من جهة تهديد أمّتنا، منذ عهد النظام الصفوي [1] في إيران، ثم الغاجاري، ثم البهلوي، ثم الخميني، فمنذ أنْ كان الصفيون ثمّ الغاجاريون، العدوّيْن اللّدوديْن للخلافة الإسلامية، إذْ لم يدّخرا أيّ إسهام في مؤامرة مع أعداء الإسلام لإسقاطها، وقد كانت الخلافة الإسلامية تأتيها أشدّ الطعنات غدرا من هذا العدوّ، في أوْج فتوحاتها الإسلامية في أوربا.

منذ ذلك الحين إلى اليوم، بقيت الروح العدائية التوسعية بحالها، تتوارد على النظم الحاكمة في إيران.

صحيحٌ أنه عندما ظهر الخميني قائد الثورة الخمينية، كان قد أعلن في باريس في نوفمبر 1979م منهج الثورة التي أسماها"إسلامية"، وكشف عن أهدافها قائلا: (رفع المظالم، والعودة بالعلاقات الإيرانية مع الشعوب، والدول الأخرى، إلى علاقات طبيعيّة، وحلّ المشاكل القائمة بين إيران، والدول الأخرى وفق"المفاهيم الإسلامية"!) .

وفي ردّه على سؤال حول احتلال قوّات الشاه للجزر العربيّة، وعزم الثورة الإيرانية على إعادتها لأصحابها؛ أكّد بأن الثورة قامت لتنصر الحقّ، ولتسحق الباطل، ولترفع المظالم التي ارتكبها الشاه، كما كان كبار الساسة في بداية الثورة يطلقون على الخليج العربي؛ بأنه"الخليج الإسلامي"!

غير أنّه قد تبيّن بعد ذلك أنّ هذا الكلام المعسول كان يخفي وراءه نوايا عدوانيّة، لا تقل خطرا ًعن أيّ عدوّ آخر يُضمر شرًا لهذه الأمّة، فسرعان ما أطلق الخميني مبدأ"تصدير الثورة"، فتحوّل إلى جوهر العمل السياسي، والمخابراتي، والإقتصادي، والديني، للنظام الحاكم في إيران، وبدأ بالتأكيد على فارسية الخليج، في عنصرية مقيتة.

ثم لم تلبث الثورة أن كشفت عن أخبث طواياها، عندما بدأت بالهجوم لإحتلال العراق، بعدما أعلن الخميني أن الطريق إلى القدس يمر عبرها، بل بعد تحرير الحرمين، ومنذ ذلك الحين دأب هذا النظام على نشر الفوضى، وإشاعة الفتنة في الجوار، وحتّى حرَمِ الله تعالى الذي جعله مثابةً للناس وأمنا، لم يسلم من فتنهم، فلقي المسلمون في مواسم كثيرة أشدّ العنت من أحقادهم، وصلت إلى إهراق الدماء، وإرهاب الآمنين جوار بيت الله المعظّم.

ولما فشلت جميع مخططاتهم، وانقلبوا خاسئين، وجدوا فرصتهم السانحة - كعادتهم - في استغلال الحملة الصهيوصليبة على أفغانستان والعراق، فكانوا فيها أخبث أعوانها، وإخوان شياطينها.

ذلك أنّ المخطّطين الصليبييّن؛ رأوْا أن تحييد إيران أثناء تنفيذ الجزء الأوّل من استراتيجية الهيمنة على المنطقة، عبر إحتلال العراق، سيحقق أهدافهم، دون خسائر كبيرة، ففتحوا الباب على مصراعيه، لعائلة الحكيم، وحزب الدعوة بزعامة الجعفري، وبقية أولئك الأذناب المطبّلة وراء الحملة الصليبية، كما أنهم استفادوا بذلك تهدئة شيعة العراق، وتحوّل عبد العزيز الحكيم نيابة عن أخيه، إلى الرجل المفضّل لدى الخارجية الأمريكية، والاستخبارات في واشنطن، جنبا إلى جنب مع جلال طالباني، واحمد الجلبي، وإياد علاوي، أثناء وضع الخطط لإحتلال العراق!

وكان لدى هؤلاء العلاقمة، تحقيق حلم الخميني بتدمير العراق، للسيطرة على مقدراته، والإنتقام منه، وإزالة ما فيه من كلّ ماضيه الذي يذكر بعروبته وإسلامه، ثمّ إلحاقه بالنظام العنصري في طهران، كان أولى من كلّ حضارة أمتنا، تاريخها، ومستقبلها!

ولا أدري أَفَغشىَ الحقد على أبصارهم، حتّى لم يروْا أنّ الإحتلال إنما يركبهم مطايا، إلى أن يحين وقت إعادة التوازن - ولو بحرب تحرق كلّ شيء - بين القوى الإقليمية، التي أشار إلى قرب وقتها، ملك الأردن، ورئيس مصر، وغيرهما، تباعا ... ثم يحيق بهم مكر السوء، وتدور عليهم دائرته.

صاحب الأحقاد أعمى

أم أنّهم ظنوا أنّ الوقت سيكون قد فات على ممتطيهم، بعد أن يتمكّنوا من العراق، فيفرضوا الأمر الواقع، ويحقّقوا أحلامهم الشيطانية بالتوسّع جنوبا وشرقا، عبر الهلال الشيعي، ثم يتحوّل إلى نار تحرق حضارتنا، من الشرق، كما هي نار الغرب الصهيوصليبي؟!

بلى ... أدري! إنهما معا قد دفعا بالصفويين إلى هذه الورطة، وقبل ذلك والحقيقة التي تحركّه؛ سنة الله تعالى التي أقام عليها الكون، فما من ظالم إلا سيُبلى بأظلم، ومن سلّ سيف البغي قُتل له، فقد فعلت أذرعة النظام الصفوي في العراق ومعها حزب حسن نصر فرع العراق، في المسلمين، ما ذكّرهم بجرائم المغول فيها، فضلا عن جرائمهم في عرب الأحواز، وسنة إيران، التي لاتوصف بشاعة من ثلاثة عقود.

وهذا كلّه ليس غريبا على من يقرأ تاريخ الإسلام، ويعرف حقيقة النظام الجاثم على مقدرات الشعب الإيراني الذي جنى عليه نظام الخميني قبل أن يجني على غيره.

غير أن الغريب، تلك الجهالات التي يطلقها المحسوبون على الحركة الإسلامية من تأييد"حزب حسن نصر"، وهم في عماية تامّة عن حقيقة إرتباطه بالخطر الصفوي الذي يخطّط لتدمير أمتنا، والعبث بثقافتها، واجتيال هويّتها.

وأنهم يُخدعون بعدما رأوا خيانة هذا العدو لأمّتنا مرّتين.

أفي كلّ مرّة يُفتنون، ثم لا يتوبون، ولا هُم يذّكرون؟!

وتعالوا نتذكر التاريخ، وكيف يتلاعب الجهلُ بأهله، فيقلبهم من النقيض إلى النقيض!

عندما قامت ثورة الخميني وأظهرت شعارات مخادعة تدّعي الإسلام، وأغلقت سفارة الصهاينة، وأعلنت الحرب على أميركا، صفّق لها كثير من المخدوعين بشعاراتها.

وكم يؤلمني أن أتذكّر هذه الحادثة، فقد قلت ذات مرة لفاضلٍ من منظّري حركة إسلامية، بدا معجبا بثورة الخميني؛ لعلكم ستكونون أنتم أوّل من يصطلي بنارها، فألقى إليّ بنظرات الشفقة، مستصغرا إياي، فما لبثت تلك النظرات حتى وجدتها في عيني، وأمامي ذلك المنظر، عندما وقف نظام الخميني داعما لمجازر حليفه في سوريا وجنازر الدبابات تطحن أهل حماة، وبطون الحوامل تُبقر فيها! فكان الرجل مذهولا كيف يؤيد نظام إسلاميّ، نظاما علمانيا بعثيا قمعيا، إلى هذه الدرجة؟!

ثم بعدما صار هذا المسكين مؤيدا للنظام البعثي في العراق، أثناء حربه مع النظام الصفوي الباطني في طهران، عاد فانقلب، فرأيته"يطبّل"مع"حزب حسن نصر"!

ولو أني رأيته اليوم لقلت له: وكيف يكون"حزب حسن نصر"مواليا لنظام علماني بعثي جرائمه لا تُحصى، وفصيلا في جيش الثورة الخمينية، التي خانت الأمّة في أفغانستان والعراق، يلغ معها في دماء المسلمين في بغداد، ثم يكون مجاهدا مع أمّتنا في لبنان؟!

وليت شعري إذا كانت عقول هؤلاء الذين يُطلقون على أنفسهم حركات إسلامية، لا تتّسع أن يفهموا أنّه ليس كلّ من يتبنّى مأساة أهلنا في فلسطين يريد بنا الخير، فليصمتوا خيرا لهم، وإلاّ فلا معنى لأَنْ يعارضوا الأحزاب العلمانيّة القوميّة والإشتراكيّة والشيوعيّة، التي تبنّت القضية نفسها، وقدّمت لها التضحيات أيضا، ثم يؤيدوا الثورات الباطنية كالخمينية ذات الرصيد الهائل من الخيانات ضد أمّتنا، تلك الثورة التي لم يستطع الصليبيون أصلا أن ينجحوا في تحويل العراق إلى مرتع للصهاينة إلاّ بها! مع أنّ هؤلاء الباطنيين سيُلحقون بالقضية الفلسطينية دمارا هائلا، قد بدؤوه بالفعل.

ثم إنّ فقهَ أولئك - إذا لم يستبصروا؛ أنّ هذه الثورة الباطنية لو احتلّت فلسطين لوجب شرعا تحريرها منهم، مثلما يجب تحريرها من الصهاينة، كما حرر صلاح الدين مصر من الفاطمية، ولهذا فهم أشدّ الناس بغضا لصلاح الدين، فلم يشفع له عندهم تحريره للقدس! - إذا لم يستبصروا هذه البصيرة، فإنهم والله أسوء الناس فقها، بل أعماهم بصيرة!

وبعد ...

فإنّ هذا الصراع بين العدوّين اللدودين لأمّتنا - الشرقيّ والغربيّ - وإنْ كان سيتّسع ويشيع الفوضى إلى حين، غير أنّ عاقبته ستكون خيرا لأمة الإسلام.

وإنه لمن الواجب اليوم تبصير المسلمين، بحقيقة العدوّين، من غير إنحياز، ولا تجاهل لأحدهما، ولا تهوين من خطرِه، وبيانّ أنّ كليهما هدفٌ لجهادنا، فليذهبا إلى الجحيم سويّا، وليبقَ الإسلام وإن رغمت أنوفهم جميعًا.

1)الدولة الصفوية نسبة إلى مؤسسها إسماعيل الصفوي، ظهر إسماعيل الصفوي في مطلع القرن العاشر الهجري، ونجح في إقامة دولة شيعية في إيران سنة [907 هـ، 1502م] وأعلن نفسه ملكا، وأصدر السكة باسمه، وجعل المذهب الشيعي هو المذهب الرسمي لإيران بعد أن كانت تتبع المذهب السني، وبدأ يتطلع إلى توسيع مساحة دولته، فاستولى على العراق، وأرسل دعاته لنشر المذهب الشيعي في الأناضول، مما أثار حفيظة الدولة العثمانية المجاورة لها، وبدأت المناوشات العسكرية بينهما في أواخر عهد السلطان بايزيد خان، ثم تحولت إلى صدام هائل بين الدولتين في عهد سليم الأول.

أعلن سليم الأول الحرب على الصفويين، وسار بجيوشه من أدرنة متجها إلى تبريز في [22/من المحرم/902 هـ، 14/مارس/1514م] فتقهقرت الجيوش الفارسية أمامه بقصد إنهاك قواه حتى تسنح لها الفرصة للانقضاض عليه، والتقى الجيشان في وادي جالديران في [2/من رجب/920 هـ، 24/أغسطس/1514م] وكانت معركة هائلة حسمت فيها المدفعية العثمانية النصر للسلطان سليم الأول، وفر الشاه إسماعيل الصفوي، وتمزق جيشه، ودخل السلطان سليم تبريز حاضرة الصفويين، يحمل على رأسه أكاليل النصر في الرابع عشر من رجب، وأثمر هذا النصر عن ضم السلطان سليم كثيرا من بلاد أرمينية الغربية، وما بين النهرين، وتبليس، وديار بكر، والرقة والموصل، ثم عاد إلى بلاده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت