واحدًا وجيشًا مدنيًا منظمًا واحدًا البيروقراطيين وموظفي الدولة بل جيوشًا طائفية مرتهنة لجماعاتها المتنطعة والمتوجهة عقليًا وعاطفيًا نحو الذات الطائفية المنغلقة.
"ثم بدأ طرح إلغاء الطائفية السياسية؛ لأنها سبب البلاء، ولأنها تمنع الانصهار الوطني، وتحقيق المواطنة الحقة. والمطالبون بإلغاء الطائفية السياسية أغلبهم في مواقع طائفية بعضها شديد العصبية؛ فالأحزاب المطالبة بإلغاء الطائفية أحزاب طائفية بتركيبتها، وبدهي أن المطلب الصادر من موقع طائفي هو طائفي أيًا كان التعبير اللفظي عنه، ومطلب إلغاء الطائفية يعني تحديدًا: استبدال ديمقراطية عددية تعني سيطرة على الحكم والإدارة بحكم العدد أو بحكم ما يظن من غلبة عددية بالديمقراطية الإصلاحية المركبة المعقدة أساسًا للعيش المشترك اللبناني. (6) "
هذا الواقع المأزوم والمَرَضِي مثَّل مرتعًا خصبًا لأحلام كل طائفة في السيطرة ـ وفي لبنان خصوصًا ـ لا تمثل قوة الطائفة إلا بمددها الخارجي وتبعيتها الدينية والسياسية والمالية. وكانت الطائفة الشيعية التي يمثلها"حزب الله"سياسيًا وعسكريًا ـ موضوع حديثنا ـ من تلك الطوائف التي أرادت ـ أو بالأصح أريد منها ـ أن تحقق الحلم بتكوين دولة تقوم على تبني المذهب الجعفري الاثني عشري منهجًا ونظامًا؛ فلبنان أريد به أن يكون. إما دولة نصرانية عربية بميول غربية وسط تجمع مسلم ضخم، وإما دولة شيعية عربية بميول فارسية وسط تجمع سني ضخم كذلك.
والدولة الأولى: النصرانية لعل لها حديثًا آخر، أما المراد الآخر فلا بد من الوقوف فيه أولًا على بعض المرتكزات؛ حتى تتضح الصورة من بداياتها وصولًا إلى منتهاها.
لبنان وإيران قصة العلاقة:
حين استولى الصفويون على حكم إيران، في مطلع القرن السادس عشر، وجعلوا من التشيع الإمامي دين الدولة والأمة، وحصنوا إيران به بإزاء الفتح العثماني"التركي السني"كان التشيع يذوي ويتلاشى، إنْ في مدارس النجف أو في مدارس خراسان، فعمد الشاه إسماعيل إلى استقدام علماء من جبل عامل ـ جنوب لبنان ـ لتدريس الفقه الإمامي، فكان منهم: (بهاء الدين العاملي محمد بن الحسين بن عبد الصمد، 953 - 1031هـ) الذي أصبح شيخ الإسلام في أصفهان في عهد الشاه عباس الكبير، والمحقق الكركي علي بن الحسين ابن عبد العالي العاملي، ت 940هـ - 1533م الذي قَدِم النجف ثم رحل إلى بلاد العجم لترويج المذهب، والسلطان حينئذ الشاه إسماعيل الصفوي الذي مكنه من إقامة الدين وترويج الأحكام، وكان يُرغِّب عامة الناس في تعلم شرائع الدين ومراسم الإسلام،