هذا الكلام الذي سبق نقله عن الرازي في كتابه أساس التقديس كلام خطير جدًا، لأنه أورد احتمال تعارض النقل والعقل، والحقيقة أنه لا يوجد أصلًا احتمال تعارض النقل والعقل؛ فإنه إذا أراد بالعقل العقل الصحيح نقول: من خلق العقل؟ الله، ومن أنزل النقل؟ الله.
فمصدرهما واحد، فإذا كان مصدرهما واحدًا فإنه يستحيل حصول التعارض بينهما، ووجود احتمال أن هناك تعارضًا يشعر بأن العقل من غير الله وأن النقل من الله! والعياذ بالله، ولهذا إذا كان العقل من الله خلقًا، والنقل من الله أمرًا، والله عز وجل يقول: {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف:54] فلا يمكن حصول التعارض بينهما أبدًا، وإذا وجدنا في النصوص الشرعية ما ظاهره معارض للعقل فنقول في الرد حينئذ: إما أن يكون العقل غير صريح، وإما أن يكون النقل غير صحيح؛ أما العقل الصريح الواضح الذي ابتعد عن الشبهات والأوهام والهواجيس الضالة، والنقل الصحيح لا يمكن حصول التعارض بينهما، ولهذا يذكر أهل العلم العلاقة بين العقل والنقل، فيقولون: النقل مثل العين، والعقل مثل الضوء، فلا يمكن للعين أن تبصر بدون الضوء، وهكذا لا يمكن للنقل أن يستفاد منه بغير عقل؛ ولهذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين) والفقه: هو الفهم، والفهم مصدره العقل، والمقصود بالعقل هنا العقل المجرد، وليس العقل الذي يقصده أهل الكلام كما سيأتي معنا.
والضوء بدون عين لا ينفع، لأنه لا بد له من عين تبصر، فالعلاقة بين العقل والنقل هي علاقة توافق وتعاون؛ لأن مصدرهما واحد وهو الله سبحانه وتعالى، ولهذا إذا جاء أحد من أهل الكلام وافترض التعارض! نقول: هذا الافتراض فاسد، إما فاسد من جهة ما ذكرته من الأدلة العقلية، بمعنى: أن هذه الأدلة ليست صريحة، وليست عقلية صحيحة، وإنما هي شبهات ضالة، أو يكون النص الذي تصورت العقل مخالفًا له نصًا غير صحيح، فإذا كان غير صحيح فهو لا يعتبر نقلًا ثابتًا عن الله أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم.
وعلى كل حال فهذه القضية اقتضت من شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن يؤلف فيها كتابًا كبيرًا سماه درء تعارض العقل والنقل في أكثر من عشرة مجلدات تقريبًا، ناقش فيها هؤلاء نقاشًا مستفيضًا ومطولًا.