صار المفوضة إلى هذا المذهب؛ لسوء فهمهم لآية من أشهر الآيات في معاني كلام الله عز وجل، وهي آية المتشابه التي في سورة آل عمران، وآية المتشابه التي في سورة آل عمران سنتحدث عنها الآن، وسنتحدث عنها في فقرة قادمة بإذن الله عند حديثنا عن التأويل من حيث المعنى، ومن حيث الرد عليه بإذن الله تعالى.
وقد تحدث شيخ الإسلام ابن تيمية كثيرًا عن هذه الآية، وتحدث من قبله من أهل العلم عن هذه الآية، وبينوا الخلل الذي دخل على المفوضة والمؤولة في فهمهم لهذه الآية.
وقبل أن نخوض في كيفية فهم المفوضة لهذه الآية والرد عليهم نبين أولًا المعنى الصحيح لهذه الآية: يقول الله عز وجل: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [آل عمران:7] .
والحقيقة أن هذه آية عظيمة لاشتمالها على كثير من الأحكام والفوائد المتعددة.
وقد وردت آيات في بيان أن القرآن جميعه محكم، منها قوله تعالى: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} [هود:1] .
وأيضًا وردت آيات أن القرآن جميعًا متشابه.
وكذلك وردت آية وهي هذه الآية في أن بعضه محكم، وبعضه متشابه.
والتحقيق أن الآية التي وردت في أن القرآن جميعه محكم، فالمعنى: أن جميعه متقن، وأنه ليس فيه خطأ ولا زلل، وأنه منضبط في أخباره وقصصه وأحكامه وعقائده.
وأما الآية التي وردت في أن القرآن كله متشابه: {كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ} [الزمر:23] فالمعنى: أنه يشبه بعضه بعضًا، فإن الحق يشبه بعضه بعضًا.
فأنت تقرأ في سورة البقرة في توحيد الله عز وجل، تجد أن المعنى نفسه موجود في سورة الأنعام، وأن المعنى نفسه موجود في سورة الزمر التي تسمى سورة الإخلاص الكبرى، ونحوها من السور.
فتجد أن معاني القرآن متشابهة، فهذا هو معنى المتشابه.
وأما معنى أن بعضه محكم وبعضه متشابه، فقد تحدث عنها أهل العلم كثيرًا، ومختصر القول فيها هو: أن المحكم هو الواضح المعنى الواضح الدلالة بحيث يفهمه الإنسان، والذي ليس فيه إشكال، هذا معنى المحكم، وقال الله عز وجل في وصفه للمحكم: {هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} [آل عمران:7] يعني: أصل الكتاب.
فأساس القرآن محكم وواضح وبين وليس فيه إشكال، وليس متعدد الدلالة بحيث إنه يشكل على الآخرين.
والمتشابه هو: المعنى الغامض الذي يحتمل أكثر من معنى.