الكثيرون ترك أديانهم بسبب رجال الدين في هذه الملل، فقد رأى الناس منهم ما قوَّض تعلقهم بأديانهم، إضافة إلى ما لمسوه من قصور في شرائعهم التي عجزت عن تلبية حاجات معتنقيها الروحية، فأسلمتهم للإسلام طوعًا، ففي حديث السير أرنولد عن انتشار الإسلام بين المسيحيين، وبخاصة أهل مصر؛ يرى أن سبب ذلك هو فساد رجال الدين، وتخليهم عن واجبهم الروحي، فيتحدث أرنولد عن تسامح صلاح الدين الأيوبي مع أهل مصر وتخفيفه للضرائب عليهم، ثم يقول:"وفي عهد خلفاء صلاح الدين نعموا بمثل هذا التسامح والرعاية، قرابة قرن من الزمان، لم يكن هناك ما يشكون منه إلا ما اتصف به كهنتهم أنفسهم من الفساد والانحطاط، فقد فشت السيمونية بينهم، فبيعت مناصب القسيسين الذين اتصفوا بالجهل والرذيلة، على حين حيل بين الذين طلبوا التعيين وبين هذا المنصب المقدس بعجزهم عن أداء الأموال المطلوبة في احتقار وازدراء، مع أنهم كانوا من الجديرين بشغل هذا المنصب، وكان من أثر ذلك أن أهمل تثقيف الناس روحيًا وخلقيًا إهمالًا تامًا، وبلغت الحياة المسيحية درجة محزنة من الانحلال» [1] ."
ومثل هذا حصل في بلاد النوبة (السودان) ، حيث «يظهر أن النوبيين قد انساقوا من المسيحية إلى الإِسلام بالتدريج وفي بطء شديد، وكانت الحياة الروحية في كنيستهم قد انحدرت إلى أقصى دركات الانحطاط.
ولما وجد المسيحيون أن لا أمل في قيام حركة للإِصلاح في مجتمعهم؛ وأنهم قد فقدوا الاتصال بكنائسهم التي تقع فيما وراء حدودهم؛ لم يكن من الطبيعي إلا أن ينشدوا ما يشفي غلتهم ويسد رمقهم الروحي في الدين الإسلامي الذي حمل أتباعه بين هؤلاء الدليل على قوة حيويته وقتًا طويلًا» [2] .
ويقول روبرتسون في كتابه"تاريخ شارلكن":"لكنا لا نعلم للإسلام مجمعًا دينيًا، ولا رسلًا وراء الجيوش، ولا رهبنة بعد الفتح، فلم يُكرَه أحد عليه بالسيف ولا باللسان، بل دخل القلوب عن شوق واختيار، وكان نتيجة ما أودع في القرآن من مواهب التأثير والأخذ بالأسباب" [3] .
إن ما سقناه يذب دعاوى الناعقين بانتشار الإسلام بالسيف والغلبة، وينكأ جروحًا عميقة عن انتشار أديان أخرى ما فتئ بعض قادتها يطعنون في الإسلام، وكأني بهم لم يطلعوا على حقائق التاريخ التي تحدثنا أن الملك شارلمان خيَّر قبائل الألمان بين المعمودية (رمز الدخول في النصرانية) والسيف، فتعمد آلاف المقهورين خوفًا ووجلًا
(1) الدعوة إلى الإسلام، توماس أرنولد، ص (100) .
(2) المصدر السابق، ص (104) .
(3) روح الدين، عفيف طبارة، ص (412) .