فهرس الكتاب

الصفحة 935 من 1746

يعتقد كثير من الناس أن شرعية العيد بعد رمضان عبارة عن الفرح بخروجه والتخلص منه، لأنه يحول بينهم وبين ملذاتهم ومشتهياتهم، ويفطمهم عن عاداتهم النفسية التي مرنت عليها نفوسهم، واعتادتها أهواؤهم طوال العام، فهم يعتبرونه شهر حبس وحيلولة بينهم وبين ما يشتهون، وقد يستشهد بعضهم بقوله تعالى: (( وحيل بينهم وبين ما يشتهون ) ) (سبأ:54) .

قال ابن رجب في لطائف المعارف في الكلام على النهي عن صوم آخر شعبان قال: ولربما ظن بعض الجهال أن الفطر قبل رمضان يراد به اغتنام الأكل لتأخذ النفوس حظها من الشهوات قبل أن تمنع من ذلك بالصيام، ولهذا يقولون هي أيام توديع للأكل، وتسمى تنحيسًا واشتقاقه من الأيام النحسات.. وذكر أن أصل ذلك من النصارى، فإنهم يفعلونه عند قرب صيامهم، وهذا كله خطأ وجهل ممن ظنه، ولربما لم يقتصر كثير منهم على الشهوات المباحة، بل يتعدى إلى المحرمات، وهذا هو الخسران المبين، وأنشدهم لبعضهم:

إذ العشرون من شعبان ولت فواصل شرب ليلك بالنهار

ولا تشرب بأقداح صغار فإن الوقت ضاق على الصغار

وقال آخر:

جاء شعبان منذرًا بالصيام فاسقياني راحًا بماء الغمام

ومن كانت هذه حاله فالبهائم أعقل منه، وله نصيب من قوله تعالى: (( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ) ) (الأعراف:170) ، وربما تكره كثير منهم بصيام رمضان، حتى إن بعض السفهاء من الشعراء كان يسبه، وكان للرشيد ابن سفيه فقال مرة شعرًا:

دعاني شهر الصوم لا كان من شهر ولا صمت شهرًا بعده آخر الدهر

فلو كان يعديني الأنام بقدرة على الشهر لاستعديت جهدي على الشهر

فأخذه داء الصرع فكان يصرع في كل يوم مرات متعددة، ومات قبل أن يدركه رمضان آخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت