فهرس الكتاب
فإن يك هذا الشأن من له بالتعليم الدينى صلة، فكيف بخريجى التعليم المدنى الذين لا يعرفون من الإسلام إلا ما أعرفه أنا أو تعرفه أنت عن حياة سكان المريخ؟ من هؤلاء الناس، ومن أبناء الديانات الأخرى كون الاستعمار الجهاز الحكومى المشتمل على ألوف الموظفين، ووكل إليه أن يحرس مستقبل أمتنا العزيزة!! وحسبى أن أضع تحت النظر المتفرس صورتين لهذا اللون من الموظفين إحداهما من بيروت، والأخرى من القاهرة.
قال صاحب مذكرات بيروتى:"كان ذلك الموظف يسكن حيا إسلاميا، وكان بجواره مسجد يذكر فيه اسم الله، ويدعو فيه المؤذن خمس مرات في اليوم إلى الصلاة والعبادة والخير:"حى على الصلاة، حى على الفلاح". ولكن هذه الدعوة النبيلة وهذا الكلام الجميل لم يعجبا ذلك الإنسان، ولم يكن بوسعه نقل المسجد من جواره، فارتحل عن الحى. وسأله أحدهم: غريب أمرك يا فلان .. لقد كان آباؤك وأجدادك يطربون لهذا الأذان، فما الداعى للنفور منه الآن؟! قال: لهم رأيهم، أما أنا فيزعجنى هذا الأذان. وقد تتهمنى بالتعصب، وذلك رأيك، ولكن هذه هى الحقيقة. كان صاحبنا من كبار الموظفين في الدولة، وكان في دائرته موظفون كثيرون من مختلفى الطوائف، ولكنه كان يطبق نظرية الوطن القومى بصرامة. لم يكن يكره المسلمين فى"لبنان"فحسب، بل في كل بلد له بلبنان صلة. هو يكره"السورى"لأنه مسلم، ويكره"المصرى"لأنه مسلم، ويكره"العراقى"لأنه مسلم. ويفضل أن يعيش في عزلة منكمشا على نفسه. إنه مثال الموظف النموذجى الذى يطبق سياسة"الغرفة السوداء"، تراه ضيق الخبال محدود الذكاء، يحفظ القوانين، ولا يحسن التصرف بها. يعقد المسائل أكثر مما يسهلها، ويخلق حولها جوا من الغموض والإبهام. ص _144"