استغل الغرب تفوقه السياسى والعسكرى وسقوط أغلب الأقطار الإسلامية في قبضته ليمحو من النفوس والأذهان كل إعزاز لهذا الدين أو إحياء لتعاليمه. ورسم خطة شاملة واعية للقضاء عليه نظريا وعمليا، واجتثاث جذوره عنوانا وموضوعا، وتوهين روابطه في الأفراد والجماعات، وإثارة فوضى عامة في كيانه المادى والأدبى تنتهى - حتما - بزواله وإن استغرق زمنا طويلا أو قصيرا. واختلفت دول الغرب في طرائق إجهازها على الإسلام. فمنها المتعجل الذى يريد ذبحه بالسكين، والقضاء على أهله بالسرعة التى تقرب الغاية المنشودة. ومنها المتأنى الذى يذبح بغير سكين، ويقتل من غير أن يسفك الدماء، ويلجأ إلى العنف في الفترات التى تستعصى فيها الضحية، ولا يبقى من التكشير عن الناب بد. وكانت سياسة"إنجلترا"فى مصر من الطراز الأخير. استطاعت هذه الدولة الماكرة أن تطعن الإسلام في صميمه دون أن تفتعل ضجة. وما غر عليها بلوغه بنفسها وكلت إلى صنائعها تنفيذه وهى مختفية! وفى نصف المدة التى احتلت فيها مصر تمكنت من طى رقعة الإسلام عن آفاق واسعة، وخلقت طوائف شتى: بعضها غريب على الإسلام وبعضها عدو له، وبعضها يؤمن بجزء من تعاليمه ويكفر بجزء آخر. واستشرت الجراءة على هذا الدين جملة وتفصيلا. فهذا ينكر أصل الإيمان. وهذا يمارى في حقيقة النبوَّات وإمكان الوحى. وهذا يتساءل: لم تحرم الخمر مع فائدتها للصحة؟ ثم يقول: إن تحريمها خطل! .. وهذا يرى الوقاع الجنسى مادام بتراضى الطرفين لا شىء فيه، ويستغرب تسميته زنا. وهذا يمضى فوائد الربا ويسخر من حظرها. ص _117