أن في ذلك تنقيصًا لله تعالى شأنه، ففي المثل السائر:
ألم تر أن السيف ينقص قدره. . . إذا قيل إن السيف خير من العصا
نعم، إذا كان المقام يقتضي ذلك بأن كان احتجاجًا على مبطل كما في قول يوسف الصديق عليه السلام:"أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار"وقوله تعالى:"آلله خير أما يشركون"،"والله خير وأبقى"، فهو أمر لا اعتراض عليه، ولا توجه سهام الطعن إليه، والفوقية بمعنى الفوقية في الفضل مما يثبتها السلف لله تعالى أيضًا، وهي متحققة في ضمن الفوقية المطلقة، وكذا يثبتون فوقية القهر والغلبة كما يثبتون فوقية الذات، ويؤمنون بجميع ذلك على الوجه اللائق بجلال ذاته وكمال صفاته سبحانه وتعالى، منزهين له سبحانه عما يلزم ذلك مما يستحيل عليه جل شأنه، ولا يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، ولا يعدلون عن الألفاظ الشرعية نفيًا ولا إثباتًا لئلا يثبتوا معنى فاسدًا أو ينفوا معنى صحيحًا، فهم يثبتون الفوقية كما أثبتها الله تعالى لنفسه، وأما لفظ الجهة فقد يراد به ما هو موجود، وقد يراد به ما هو معدوم، ومن المعلوم أنه لا موجود إلا الخالق والمخلوق، فإذا أريد بالجهة أمر موجود غير الله تعالى كان مخلوقًا، والله تعالى لا يحصره شيء، ولا يحيط به شيء من المخلوقات تعالى عن ذلك، وإن أريد بالجهة أمر عدمي وهو ما فوق العالم، فليس هناك إلا الله تعالى وحده، فإذا قيل: إنه تعالى في جهة بهذا الاعتبار فهو صحيح عندهم، ومعنى ذلك أنه فوق العالم حيث انتهت المخلوقات، و نفاة لفظ الجهة الذين يريدون بذلك نفي العلو يذكرون من أدلتهم أن الجهات كلها مخلوقة، وأنه سبحانه كان قبل الجهات، وأنه من قال: إنه تعالى في جهة يلزمه القول بقدم شيء من العالم، وأنه جل شأنه كان مستغنيًا عن الجهة ثم صار فيها، وهذه الألفاظ ونحوها تنزل على أنه عز اسمه ليس في شيء من المخلوقات، سواء سمي جهة أم لم يسم، وهو كلام حق، ولكن الجهة ليست أمرًا وجوديًا، بل هي أمر اعتباري، ولا محذور في ذلك، وبالجملة يجب تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقين، وتفويض علم ما جاء من المتشابهات إليه عز شأنه، والإيمان بها على الوجه الذي جاءت عليه، والتأويل القريب إلى الذهن. . .)
فالتفويض حيث أطلقه أبو الثناء هو إثبات المعنى وتفويض الكيف، قال ابنه النعمان الألوسي في [جلاء العينين] (ص17) :(شعر فصل في تبرئة الشيخ مما نسب إليه، وثناء المحققين المتأخرين عليه
ومنهم شيخنا ومولانا الوالد عليه الرحمة والرضوان الوالد عليه الرحمة والرضوان، فإنه قال في [رسالته الاعتقادية] ما نصه: [ولقد اطلعت على رسالة للشيخ ابن تيمية، وهي معتبرة عند الحنابلة، وطالعتها كلها فلم أر فيها شيئًا مما ينبز ويرمى به في العقائد، سوى ما ذكرناه من تشديده في رد التأويل، وتمسكه بالظواهر، مع التفويض والمبالغة في التنزيه مبالغة يقطع معها بأنه لا يعتقد تجسيمًا ولا تشبيهًا، بل يصرح بذلك تصريحًا لا خفاء فيه، والعجب ممن يترك صريح لفظه بنفي التشبيه والتجسيم، ويأخذ بلازم قوله الذي لا يقول به، ولا يسلم لزومه، وعلى كل حال فهو كما قال كثير من المشايخ في الشيخ محيي الدين] اهـ.
وقال أيضًا في رحلته [نزهة الألباب] عندما سأله في القسطنطينية المحمية شيخ الإسلام عن أمر المتشابه ما نصه: [ثم انجر الكلام إلى ابن تيمية، فقال: إنه قائل بالجسمية، فقلت: حاشاه! ومذهبه في المجسم أنه مطلقًا غير مسلم، فقال: إنه يقول العرش قديم نوعًا، فقلت: لم نجد لنسبته إليه غير الدواني نقلًا يليق أن يمنح سمعًا، فقال: له مخالفة للأئمة الأربعة في بعض المسائل الفقهية، فقلت: شبهته في تلك المخالفة بحسب الظاهر قوية، وله في بعض ذلك سلف، كما يعرفه من تتبع المذاهب ووقف، وقد مدحه غير واحد من العلماء الأعلام، وقد سمعت من شيخي أنه رأى كتابًا في ترجمة من لقبه بشيخ الإسلام، فقال: وقد ذمه العلامة السبكي، فقلت: كم من جليل غدا من ذم عصريه يبكي! فآه من أكثر المعاصرين، فهم بأيدي ظلمهم لحبات القلوب عاصرين] . اهـ
ثم ذكر ما قاله العلماء في المتشابه فإن أردته فارجع إليه.)
(شعر(مميز 10 - العلامة المحدث عبد الرحمن المباركفوي ) )
قال تلميذه الشيخ عبد السميع المباركفوري في ترجمة له ملحقة بمقدمة [تحفة الأحوذي] (2/ 213) : (شعر إن مذهبه في الاعتقاد التمسك بكتاب الله عز وجل واتباع نبيه صلى الله عليه وسلم ثم ما روي عن الصحابة رضي الله عنهم، ثم ما روي عن التابعين لهم من علماء المسلمين، وهو الإيمان والتصديق بما وصف الله تعالى به نفسه أو وصفه به رسوله مع ترك البحث والتسليم لذلك، من غير تعطيل ولا تشبيه ولا تكييف ولا تفسير ولا تأويل، وأن جميع صفات الله عز وجل مثل الاستواء على العرش وكونه في عماء وكونه سميعًا بصيرًا متكلمًا وغير ذلك من الصفات المتشابهة تمر على ظاهرها كما جاءت.)
قلت: ومثاله ما قاله المباركفوري في التحفة عند شرح حديث [وإن أتاني مشيًا أتيته هرولة] بعد أن ذكر تأويل بعض العلماء له: (شعر قلت: لا حاجة إلى هذا التأويل، قال الترمذي في باب فضل الصدقة بعد رواية حديث أبي هريرة إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه. . .: [وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات من الصفات ونزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، قالوا: قد تثبت الروايات في هذا ويؤمن بها ولا يتوهم ولا يقال كيف، هكذا روي عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث أمروها بلا كيف] وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة.)
يتبع
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)