السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أصول الفقه
عند ابن دقيق العيد
من خلال كتابيه:
"إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام""وشرح الإلمام"
تأليف
عمر محمد سيد عبد العزيز
باحث بدار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث
قالوا في ابن دقيق العيد
* قال عنه الإمام الزركشي: "وبه ختم التحقيق في هذا الفن"
البحر المحيط 1/ 8
وقال فيه الإمام ابن القوبع من قصيدة:
صَبَا للعلم صًّبا في صباه
فأعْلِ بهمة الصب الصبِيِّ
وأتقن والشباب له لباس
أدلة مالك والشافعيِّ
طبقات الشافعية لابن السبكي: 9/ 210
وقال هو عن علم أصول الفقه:
"أصول الفقه هو الذي يقضي ولا يقضى عليه"
من مقدمة شرح الإلمام
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله الذى أكرم الإنسان بكرامتين، كرامة الفطرة النقية، وكرامة جعله سيدًا في هذا الكون، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين، ومنبع الرحمة التيجعلها الله مددًاللعباد في الأرضين، والذيادخر دعوته شفاعة لأمته يوم القيامة، محمد رسول الله، عليه أفضل الصلاة والتسليم.
أما بعد:
فإن علم أصول الفقه يعد من أشرف العلوم وأعلاها، إذ إنه العلم الذييتوصل به إلى معرفة أحكام الله تعالى التيفرضها على عباده، وليس من طريق يوصل إلى هذه الأحكام سوى هذا الطريق، فهو الذيتتفرع وتتشابك من شجرته الأحكام، من غير أن تؤثر هذه الأحكام فيقواعده الثابتة، وأصوله الراسخة، وهو ما عبر عنه ابن دقيق العيد بأجلى عبارة فقال: "أصول الفقه هو الذييقضيولا يقضى عليه"
"وهو العلم الذيازدوج فيه العقل والسمع، واصطحب فيه الرأى والشرع، فأخذ من صفو الشرع والعقل سواء السبيل، فلا هو تصرف بمحض العقول بحيث لا يتلقاه الشرع بالقبول، ولا هو مبنيعلى محض التقليد الذيلا يشهد له العقل بالتأييد والتسديد"ولما كان الإمام ابن دقيق العيد من أجل علماء الأصول وأعلاهم كعبًاحتى قال عنه الزركشي في كتابه البحر المحيط: "وبه ختم التحقيق فيهذا الفن" فقد توجهت همتيلدراسة آراء هذا العالم المجدد الأصولية، وتدوينها مبوبة ومرتبة بنفس الترتيب والتبويب السائد فيكتب الأصول.
والذي ضاعف من همتي وتوجهي إلى دراسة القواعد الأصولية عند هذا العالم الجليل أنه برغم أثره البين في التحقيق والتدقيق لقواعد هذا العلم ومسائله -كما سيتبين ذلك في ثنايا هذه الرسالة- لا يوجد له كتاب واحد في علم الأصول بين أيدينا مخصص لمباحثه ومرتب على أبوابه كما هو شأن جل علماء الأصول، ذلك أن كتبه الأصولية القليلة والتي تخصصت فيهذا الفن قد فقدت، ولم يبق منها إلا الاسم، فقد عرف عنه أنه شرح قطعة من مختصر ابن الحاجب فيالأصول، لم تصل إلينا، وليس لها من ذكر فيعالم المخطوطات، وله شرح على كتاب "العنوان" للمطرزي، وليس له من ذكر هو الآخر في عالم المخطوطات.
ومن هنا فلم يكن أماميإلا اللجوء -لاستقصاء آرائه الأصولية-إلى كتبه التيألفها في الشروح الحديثية، والتيدون فيها آراءه الأصولية أثناء شرحه على الحديث، وضمن استنباطاته واجتهاداته التي بثها فيطوايا شروحه.
وهنا تكمن صعوبة المهمة التيألقيت على كاهلي، إذ إن الصياغة اللغوية للقواعد الأصولية أثناء الشروح الحديثية تختلف عن الصياغة اللغوية للقواعد فيكتاب أصوليمؤلف من أجل تقرير قواعد هذا الفن، ومرتب على أبوابه ومسائله، ويعود ذلك إلى أن المستنبط عند استنباطاته وتعامله مع النص تكون القواعد الأصولية كلها حاضرة فيخلفيته الذهنية، فيستحضر ما يريد منها ويدع، بحسب حاجته الآنية التى تفيد فيالاستنباط من النص الذيبين يديه، ومن المؤكد أن اللغة المنبثقة عن هذه الحالة الخاصة النشطة الانفعالية تختلف اختلافًاكبيرًاعن لغة من يقرر مسألة أصولية في بابها وفيمظانها بعيدًاعن تفعيلها وإعمالها فيالنص.
لقد كانت هذه الحال الخاصة سببًا في أن نجد ابن دقيق العيد في كثير من المواضع الاستنباطية يذكر في نفَس واحد عدة قواعد أصولية، كل منها ينتمي إلى باب مستقل من أبواب الأصول، ذلك أن حوافزه الاستنباطية التي تدفعه إلى استحضار ما يؤكد منحاه الاجتهادي قد جعلته يُجيش كل مايستطيع من قواعد لأجل هذا الغرض.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)