فهرس الكتاب
ص -112- الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ فَإِنَّهُ يَجِبُ فِيهِ الدَّمُ وَإِنْ تَرَكَ لِذَلِكَ قُلْت قَدْ أَشَرْت لِلْفَرْقِ فِيمَا مَرَّ بِأَنَّ الرَّمْيَ لَمَّا دَخَلَتْهُ الْإِنَابَةُ دَخَلَتْهُ الْأَعْذَارُ وَأَثَّرَتْ فِي سُقُوطِهِ بِالْأُولَى كَأَصْلِ الْحَجِّ بِخِلَافِ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ لَمْ تَدْخُلْهُ نِيَابَةً فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ الْعُذْرُ بِالسُّقُوطِ فَتَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ سُبْحَانُهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ. فَإِنَّ قُلْت هُنَا صُورَةٌ تَتَعَذَّرُ فِيهَا الْإِنَابَةُ وَمَعَ ذَلِكَ يَجِبُ فِيهَا الدَّمُ فَلْتَكُنْ مَسْأَلَتِنَا كَذَلِكَ وَتِلْكَ الصُّورَةُ أَنْ يَطْرَأَ عَلَيْهِ الْإِغْمَاءُ أَوْ الْجُنُونُ وَلَمْ يَأْذَنْ لِغَيْرِهِ فِي الرَّمْيِ عَنْهُ أَوْ أَذِنَ لَهُ وَلَيْسَ بِعَاجِزٍ آيِسٍ إذْ لَا يَصِحُّ إذْنُهُ إلَّا إنْ كَانَ عَاجِزًا آيِسًا كَأَنْ كَانَ مَرِيضًا آيِسًا فَأَذِنَ ثُمَّ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَإِذَا لَمْ يَأْذَنْ كَمَا ذُكِرَ لَمْ يُجْزِئ عَنْهُ الرَّمْيُ وَعَلَيْهِ دَمٌ إذَا أَفَاقَ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالرَّمْيِ هُوَ وَلَا نَائِبِهِ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ عَمَّنْ تَأَمَّلَهُ مَا فِي الْخَادِمِ وَإِذَا تَقَرَّرَ الدَّمُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَصُورَتُنَا مِثْلُهَا بَلْ أَوْلَى قُلْت هَذِهِ لَا تَرِدُ عَلَيْنَا لِمَا قَرَّرْنَاهُ مُوَضَّحًا أَنَّهُمْ غَلَبُوا فِي أَحْكَامِ الرَّمْيِ مُشَابَهَتَهُ لِأَصْلِ الْحَجِّ وَلَا شَكَّ أَنَّ أَصْلَ الْحَجِّ يَسْقُطُ دَوَامًا كَمَا فِي بَعْضِ صُوَرِ الْحَصْرِ وَابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ اسْتِقْرَارٍ بِالْخَوْفِ الْعَامِّ بَلْ الْخَاصِّ عَلَى مَا فِيهِ وَلَا كَذَلِكَ الْجُنُونُ أَوْ الْإِغْمَاءُ وَكَانَ سِرُّ ذَلِكَ أَنَّ الْخَوْفَ يَكْثُرُ وُقُوعُهُ وَقَدْ يَقَعُ فِيهِ هَتْكُ حَرِيمٍ أَوْ نَفْسٍ فَوَسِعَ فِيهِ بِخِلَافِ الْجُنُونِ أَوْ الْإِغْمَاءِ. وَلَمَّا فَرَغَ ذَلِكَ أَخْبَرَنِي بَعْضُ مُسِنِّي مَكَّةَ وَأَصْلَابُهُمْ أَنَّهُ كَانَ وَقَعَ نَظِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ سَنَةَ إمْسَاكِ قِيتِ الرَّجَا الْمَرْسُولِ مِنْ جِهَةِ سُلْطَانِ مِصْرَ الْغُورِيِّ لِسُلْطَانِ مَكَّةَ الشَّرِيفِ بَرَكَاتِ بْنِ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَنَّ عُلَمَاءَ مِصْرَ وَمَكَّةَ اسْتَفْتَوْا فِيهَا فَاخْتَلَفُوا وَأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ أَفْتَى بِعَدَمِ لُزُومِ الدَّمِ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا رَحِمَهُ اللَّهُ وَآخَرُونَ فَسُرِرْت لِذَلِكَ إنْ صَحَّ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
وَسُئِلَ فَسَحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ بِمَا لَفْظُهُ مَا وَجْهُ أَفْضَلِيَّةِ التَّأْخِيرِ لِثَالِثِ مِنًى مَعَ أَنَّ الْآيَةَ مُخَيِّرَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّعْجِيلِ؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ وَجْهُ ذَلِكَ مِنْ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ أَمَّا الْآيَةُ فَلِأَنَّ فِيهَا التَّعْبِيرَ بِالتَّعْجِيلِ الْمَأْخُوذِ مِنْ الْعَجَلَةِ الْمَذْمُومِ جِنْسُهَا {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} فَكَانَ فِيهِ نَوْعُ إشْعَارٍ بِتَقْدِيمِ الشَّيْءِ عَلَى وَقْتِهِ الْأَصْلِيِّ أَوْ الْفَاضِلِ وَكَأَنَّ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ هُوَ السَّبَبُ عَنْ الْعُدُولِ عَمَّا يَقْتَضِيه نَظْمُ الْآيَةِ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالتَّقْدِيمِ لِأَنَّهُ الْمُقَابِلُ لِلتَّأْخِيرِ الْمَذْكُورِ فِيهَا فَلَمَّا كَانَ التَّقْدِيمُ لَا يُفِيدُ ذَلِكَ الْمَعْنَى بَلْ رُبَّمَا أَفَادَهُ ضِدُّهُ مِنْ الْمُبَادَرَةِ لِلْعِبَادَةِ فَيَكُونُ أَفْضَلُ لَمْ يَحْسُنْ الْإِتْيَانُ بِهِ وَإِنْ اقْتَضَتْهُ الْمُقَابِلَةُ بَلْ بِالتَّعْجِيلِ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّهُ مَفْضُولٌ وَأَنَّ التَّأْخِيرَ أَفْضَلُ مِنْهُ وَهَذَا كُلُّهُ ظَاهِرٌ لِمَنْ لَهُ أَدْنَى تَأَمُّلٍ وَإِنْ لَمْ أَرَ مَنْ تَعْرِضُ لَهُ وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَلِأَنَّهُ صَحَّ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَمْ يَنْفِرْ النَّفْرَ الْأَوَّلَ بَلْ مَكَثَ فِي مِنًى إلَى أَنَّ نَفَرَ النَّفْرُ الثَّانِي وَمِنْ ثَمَّ أَخَذَ أَئِمَّتُنَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مُتَوَلِّي أَمْرِ الْحَاجِّ أَنْ يَنْفِرَ بِهِمْ النَّفْرَ الثَّانِي إلَّا لِعُذْرٍ كَغَلَاءٍ وَخَوْفٍ
وَسُئِلَ فَسَحَ اللَّهُ فِي مُدَّتِهِ عَمَّنْ قَالَ إنَّ حَدِيثَ الْبَاذِنْجَانُ لِمَا أُكِلَ لَهُ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ مَاءِ زَمْزَمَ هَلْ هُوَ مُصِيبٌ أَوْ مُخْطِئٌ؟. فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: قَالَ الْحُفَّاظُ كَالْبَدْرِ الزَّرْكَشِيّ وَغَيْرِهِ هُوَ مُخْطِئٌ أَشَدَّ الْخَطَإِ وَمَا قَالَهُ خَطَأٌ قَبِيحٌ فَإِنَّ حَدِيثَ الْبَاذِنْجَانِ كَذِبٌ بَاطِلٌ مَوْضُوعٌ بِإِجْمَاعِ
ج / 2