فإننا نرى أناسا يفارقون الدنيا وهم ظالمون لم يقتص منهم، ونرى أناسا آخرين يفارقون الدنيا مظلومين لم ترد إليهم مظالمهم، ونرى أشرارا في الدنيا منعمين ونرى أخيارا فيها معذبين فإذا ذهب كل إنسان بما فعل إن ظالما أو مظلما محظوظا أو مهضوما كان ذلك خدشا في عظمة الألوهية وعدلها وقضائها، فلابد إذن من يوم يحضر الجميع فيه بين يدي الله ليقتص من الظالم للمظلوم ولينال كل من المحسن والمسيء جزاءه كما قال - تعالى: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وان كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين) .
وقال - تعالى: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين ءامنوا وعملوا الصالحات سواء محيا هم ومماتهم ساء ما يحكمون) ولهذا ه المعاني قال بعض الحكماء"ثبت أن الله - عز وجل - حكيم والحكيم لا ينقض ما بنى إلا لحكمة أتم من حكمة النقض ولا يجوز أن تكون أنقص ولا مماثلة على مالا يخفى".
تاسعا: الاستلال على البعث بحصول اليقظة بعد النوم، فان النوم أخو الموت واليقظة شبيهة بالحياة بعد الموت.
قال - تعالى: (وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعلمون) . ثم ذكر عقبه أمر الموت والبعث فقال - تعالى: (وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون(61) ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين)، قال - تعالى - في آية أخرى (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) .
والمراد منه الاستدلال بحصول هذه الأحوال على صحة البعث والحشر والنشر كما ذكره الرازي وغيره.
هذه لمحة موجزة عن إمكان البعث وتحقق حصوله في ضوء القرآن الكريم.
الجوانب الدعوية في حياة المجدد 12/ 4/1425
محمد بن عبد العزيز الخضيري
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وآله وصحبه ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين، وبعد:
إن من القضايا المغفلة في حياة شيخ الإسلام الإمام المجدد: محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - دراسة الجوانب الدعوية في حياة الشيخ ودعوته إذ كان التركيز في غالب ما كتب عنه منصبًا على حياته وحقيقة دعوته ومؤلفاته ورسائله وأثر دعوته على الأمة جمعاء وعلى من جاؤوا بعده من أهل الإصلاح خاصة.
ولم تستوف بعد الجوانب الدعوية في حياته، بحيث تكون هناك دراسات حول دعوة الشيخ وأساليبه الدعوية ومقومات نجاح الدعوة، وصفات الشيخ الدعوية، وسمات دعوته، وقد عثرت على بعض الدراسات لكنها قليلة من جهة أو قد اقتصرت على جانب ولم تشتمل على الجوانب كلها، ولا يفوتني في هذا المقام الإشادة بالرسالة الماتعة التي كتبها الشيخ عبد المحسن الباز _وفقه الله_، وعنوانها (رسائل الإمام محمد بن عبد الوهاب الشخصية دراسة دعوية) ، فقد أجاد فيها وأفاد، وأبدع في إبراز الجانب الدعوي في رسائل الشيخ، لكن بقيت بقية الجوانب والأبعاد الدعوية في حاجة إلى دراسات مماثلة والميدان شحيح والحاجة ماسة.
والذي يدعونا إلى طرق هذا الجانب عدة أسباب:
1 -حاجة الدعاة إلى رؤية تجارب دعوية ناجحة.
2 -إن دعوة الشيخ تعد قريبة نسبيًا من واقعنا الذي نعيشه.
3 -إن دعوة الشيخ كتب لها النجاح، وحققت ما أخفقت في تحقيقه كثير من الدعوات.
4 -كون الشيخ ممن جمعوا بين العلم والدعوة والعمل.
5 -حرص الشيخ على اتباع السلف وإحياء السنن، فالدعوة تكون أقل عثارًا، وأفضل في جانب الاقتداء.
وبما أن الحديث عن الجوانب الدعوية في حياة المجدد طويل لا تكفيه مقالة ولا محاضرة فإني سأكتفي هنا بذكر أهم ما يتعلق بالموضوع في نقاط مختصرة إيقاظًا وتنبيهًا، ولعل الله ييسر الكتابة حول هذا الموضوع بتفصيل وبيان، والله الموفق والمعين.
1 -الاتصال بولاة الأمر ودعوتهم:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)