فإن قيل: ما الداعي إلى ذلك؟ فالجواب واضح، وهو أن من أراد أن يشارك قومًا من الأقوام في علمٍ أو عملٍ أو وصفٍ أو حالٍ، فإنه مضطرٌّ إلى معرفتهم على التفصيل، وكلما كانت معرفته بهم أكثر وأوسع كان فلاحه بينهم وانتفاعه بهم أرجى وأقرب.
وأما كتب الحديث:
فهي مادة هذا العلم ومنبعه ومصدره، لا يكون الدارس داخلًا في جملة طلبة علم الحديث إلا بعد معرفةِ أهمِّها وأنفعِها وأتقنِها وأجمعِها وأصوبِها، وكيفيةِ تصنيفِها، وسبلِ الانتفاعِ بها، ووسائل تيسير الرجوعِ إليها، وطرق الأخذ منها، وأنواع العلائق بينها، ومقادير تفاوتها في مراتبها وموضوعاتها وشرائطها، ومعرفة مظان الخلل فيها والاستدراك عليها.
ويدخلُ في المكتبةِ الحديثيةِ كلُّ كتاب مقصودُه علم الحديث صِرفًا، وكلُّ كتابٍ الجانبُ الحديثيُّ فيه أغلبُ من الجوانبِ الأخرى.
وليس معنى هذا أنه لا يستقيمُ إدخالُ الكتبِ الأخرى التي يغلبُ عليها علمٌ آخرُ غيرُ علمِ الحديث إذا كان فيها من مسائل علم الحديث قدرٌ معتبرٌ ما؟؟ يحتاجُه بعضُ أهل الحديث في علمهم.
ومكتبة الحديث واسعة جدًا؛ ومن أراد أن يصنفها أو يبين أقسامها، فله خيارات كثيرة في التقسيم والتفصيل.
ويأتي بعض ما يتعلق بذلك، في موضعه من هذا (المعجم) .
ولقد منَّ الله تعالى عليَّ بتصنيف كتاب مفردٍ في كل واحد من هذه المطالب الأربعة؛ وهذا هو الكتاب الأول منها، وهو معجم لطلاب الحديث فيه كشف لأسرار مصطلحات المحدثين ومعاني جملة من عباراتهم النقدية وما التحق بها أو جرى مجراها من غريب أقوالهم وأمثالهم ومن لطيف إشاراتهم وطريف عباراتهم؛ ومن الله لتوفيق.
وفيما يأتي من فصول هذه الخطبة وصفٌ للكتاب، وبيانٌ لطريقتي فيه.
أسباب ومقاصد تأليف الكتاب
لقد كنت منذ زمن - وما زلتُ كذلك - أشعرُ بحاجتي وحاجة كثير من الناس الراغبين بتعلم هذا الفن العظيم، إلى معاجيم جامعة تبيّنُ على وجه التحقيق - أو ما يدانيه - معانيَ اصطلاحاتِ المحدِّثين من القدماء والمتأخرين والمحْدَثين، وتقرّبها إلى طالبي معرفتها، تُكتب بطريقة تكون - في الجملة - مناسبةً لحال أهل هذا العصر، وملبيةً لحاجاتِهم الرئيسةِ في هذا الفن.
فإن قيل: إنَّ كتبَ المصطلحِ كثيرةٌ ومتداولةٌ بين الناس، وإنَّ في مجموعها شروحًا لمصطلحات المحدثين! قلتُ: نعمْ، الأمرُ كذلك، ولكني أرى أن مقدار ما في تلك الكتب - أو في أكثرها - من شرح لمصطلحات المحدثين وألفاظهم التي تعارفوا على معانٍ مخصوصةٍ لها بينََهم: لن يكونَ اليومَ كافيًا لمن أحبَّ أن يبتدئ طلبَ هذا العلمِ العظيمِ ويدخلَ فيه، ولا مُقنعًا لمن رامَ تحقيقَه والوقوفَ على خوافيه.
أما المبتدئُ فإنَّ تلكَ الشروحَ والتعريفاتِ لنْ يسهلَ عليه وقوفُه على جميعِها، بسببِ تفرقِها بينَ عشَراتِ الكتبِ.
ثم إنه لو وَقف على جميع - أو معظم - ما في تلك الكتب من شروح، فإنها لن تكونَ وافيةً في حقه، ولا كافية له، وذلك بسببِ إهمالِها بيانَ جانبٍ كبيرٍ مما يحتاجُ بيانَه المعاصرونَ، دون المتقدمين، فقد كان ذلك البيانُ عندهم مستغنىً عنه، بأمرينِ أولهما: ما معهم من استقامة السليقةِ وصحة البداهةِ وقوةِ الفطانة وشدة المعرفةِ بالعربيةِ وأساليبِها؛ وثانيهما: كثرة تداول وانتشار تلك المصطلحات بين طلبة العلوم الشرعية في تلك الأزمنة التي كانت تحفل بالعلوم على تباين أنواعها وغاياتها.
هذا فضلًا عن أن أكثرَ تلكَ التعريفاتِ كانت قد كُتبت بطريقةٍ لا تناسبُ طريقةَ أهلِ عصرِنا هذا، في التعلمِ، مناسبةً كافيةً، حتى صار أكثرُها صعبًا عليهم، غريبًا عن أفهامهم.
وفوقَ كلِّ ما تقدَّمَ، فإنَّ أكثرَ مَنْ شرَحَ مصطلحاتِ المحدثينَ إنما هم المتأخرون، وأكثرُ هؤلاءِ المتأخرينَ كانوا قد تأثروا تأثرًا قليلًا أو كثيرًا بمناهج مخالفةٍ لمنهجِ المحدثينَ، كمناهج الفقهاءِ، أعني فقهاءَ الرأيِ، والمناطقةِ، وأهلِ الكلامِ المذمومِ، ولذلك كان شرحُ المتأخرين لمصطلحاتِ المحدثينَ منحرفًا عن الجادَّةِ، في كثيرٍ من الأحيان.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)