ثم إني لم أزل - بحمد الله - أتوسع فيما أكتبه وأستزيد مكتبتي وأتصبر على طول البحث والتنقيب، حتى كاد هذا الكتاب أن يكون واحدًا من كتب علوم الحديث الشاملة، وحتى كاد أن يكون كتابًا للقواعد والأصول مع كونه كتابًا للمصطلحات والتعابير التي يَحسُنُ شرحُها أو - في الأقل - جمعُها في كتاب واحد، وإن لم يأتِ الشرح الوافي على جميعها.
من نظر في هذا المعجم وجد الكتاب مطوَّلًا، ووجد أنني شرحت فيه كثيرًا من الواضحات، وأدرجت فيه - كما تقدم ذكره - كثيرًا مما لا يدخل في جوهر مادته الأولى - وهي مصطلحات المحدثين وما يتعلق بها - دخولًا واضحًا؛ ولكني عن عمْدٍ اخترت هذا المهيع، وهذه أعذاري في ذلك:
أولًا: أردت الكتاب أن يكون مستوعِبًا جامعًا، قدر المكنة والطاقة؛ ولهذا ذكرتُ كلَّ ما خطر ببالي أثناء تأليفي الكتاب - وقيَّدتُه - من مصطلحات المحدثين ونحوها، وأما ما كان يخطر بالبال من ذلك ويفوتني تقييده فليس بقليل والله المستعان.
وهكذا دخل في معجمي هذا في جملة ما دخل فيه كثيرٌ من الواضحات من الألفاظ والمصطلحات، وعذري في ذلك ما ذكرته هنا، وهو إرادة الاستيعاب، مشفوعًا بعذر ثانٍ لعله يقارب الأول في قوته، وهو نظير ذلك المعنى الذي أشار إليه المؤرخ الأديب صلاح الدين الصفدي، إذ قال في مقدمة كتابه الوافي (الوافي بالوفيات) (1/ 6 - 7) عقب شيءٍ ذكرَه: (على أنه قد يجيء في خلال ذلك مَن لا يُضطر إلى ذكْرِه، ويبدو هجرُ شوكه بين وصال زهره؛ قال الخليل بن أحمد رحمه الله تعالى: لا يصل أحدٌ من النحو إلى ما يحتاج إليه إلا بعد معرفة ما لا يحتاج إليه؛ قلت: فقد صار ما لا يحتاج إليه محتاجًا إليه، لأن المتوقف وجوده على وجود شيء آخر متوقف على وجود ذلك الشيء، وهكذا كل علم لا يبلغ الإنسان إتقانه إلا بعد تحصيل ما لم يفتقر إليه) .
ثانيًا: أردت أن أشرح كثيرًا من المسائل والعبارات العصرية الشائعة أو المتداولة بين طلاب الحديث، أو غيرهم من طلبة العلوم الشرعية، وإن كان في كثير من هذه الاصطلاحات لحن أو شبه لحن أو ركاكة أو برودة، فشرحت مثلًا معنى (دكتور) و (موسوعة) و (مخطوطة) و (مجلد) و (جزء) و (أستاذ) و (تحقيق) و (طباعة) ، إما لأبين معاني هذه الكلمات، أو تاريخها، أو خطأ استعمالها، أو بعض الفوائد المتعلقة بها، ولو لم يكن من فائدة ذلك إلا جمعها في معجم واحد لكفى به فائدةً.
ثالثًا: رأيت أن أتوسع في مضمون الكتاب من جهة اللغة، كثيرًا، فذكرت طرفًا من المعاني والمسائل الراجعة إلى اللغة قبل رجوعها إلى المصطلحات الخاصة؛ ولو اتسع وقتي لتوسعت في ذلك أكثر وأكثر وما أراني إلا معذورًا فيما ذكرتُه وفيما حاولته، لأني أردت بذلك أن أضرب أمثلة كثيرة على شدة ما بنا من حاجة إلى التزود من مَعين لغتنا العربية، لغة القرآن الكريم والسنة المطهرة ولغة علمائهما، وأن أنبه بكثير من هذه المسائل التي تطرقتُ إليها في الكتاب على شدة تقصيرنا في حق لغتنا هذه، تلك اللغة العالية الرفيعة الكريمة العظيمة العجيبة، والتي أصبحت اليوم غريبة، بل مهجورة، أو شبه مهجورة، وأن أبرهن بمجموع ما ذكرتُه أنَّ كثيرًا من عرب هذا العصر أكرمهم الله وأعزهم وثبتهم على الإسلام، إنما هم من حيثُ جهلُهم باللغة: أقربُ إلى صفة الأعاجم منهم إلى خصائص العرب! وهذا أمر يشتد له أسى العقلاء من هذه الأمة.
إنني على يقين تام من أن حاجتنا اليوم إلى معرفة لغة المحدثين العامة ممن كان في أزمنة الفصاحة والصفاء وما تلاها من الأزمنة أكثر بكثير من حاجتنا إلى معرفة مصطلحات المحدثين، أو لغتهم الخاصة، إن جاز أن نسميها كذلك، ثم إنني على يقين أيضًا من أنَّ تعلم هذه المصطلحات الخاصة لا يؤتي عندنا - أهل هذا العصر - ثماره المرجوة إذا مازجه منا جهل كبير بلغة المحدثين العامة أي الكبرى، أعني لغة أمتهم وأمتنا أمة الإسلام.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)