فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 29316 من 56889

وهذا كله بطريق التنزل والتقرب إلى المنازع، وإلا فالأمر أجل مما ذكر، وذلك من طريقين: أحدهما بيان استقامة هذه الطريق، والثاني بيان أنه لا طريق يقوم مقامها، فيتعين.

(1) من أشهرها مؤلفات مقاتل بن سلمان والدامغاني وابن الجوزي.

ـ [محمد نور الدين الشامي] ــــــــ [01 - 08 - 08, 03:16 ص] ـ

فأما الأول فمن وجوه:

أحدها: أن النبي صلى الله عليه وسلم بين لأصحابه القرآن لفظه ومعناه جميعًا، فإن البيان لا يحصل بدون هذا، وقد قال تعالى: {لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل/4] ، وقال: {هذا بيان للناس} [آل عمران/138] . ولو خاطبهم بلفظ لم يفهموا معناه لم يكن ذلك بيانًا. وقد امتن عليهم في غير موضوع بكونه أرسله بلسان عربي وأنه يسره (1) عليهم بذلك، فقال: {إنا أنزلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون} [يوسف/2] ، فهل يعقلونه إذا لم يعرفوا اللفظ؟ وكذلك: {فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون} [الدخان/58] ، فكيف يتذكر من لا يفهم الكلام؟ قال: {ولو جعلناه قرآنًا أعجميًا لقالوا لولا فصلت آياته أعجمي وعربي} [فصلت/44] أي أقرآن أعجمي ونبي وعربي أو مخاطب عربي! فدل على أنه فصل آياته، والتفصيل التبيين المنافي للإجمال، فلو كانت آياته مجملة لم يفهم معناها لم تكن آياته قد فصلت، والتفصيل إنما يكون للبيان والتمييز الذي يزول معه الاشتباه والاشتراك والإجمال المنافي لفهم المراد بالخطاب، وإن كان المعني المفهوم قد يحصل بينه وبين معنى آخر مشابهة ومشاركة تمنع إدراك حقيقته التي لا تفهم بمجرد اللفظ. وقد قال الله تعالى: {وما على الرسول إلا البلاغ المبين} [العنكبوت/18] ، وإذا كان المخاطبون لم يفهموا معنى كلامه لم يكن قد بلغهم بلاغًا مبينًا، ومن قال ذلك فلم يشهد له بالبلاغ.

وهذا حال هؤلاء الذين يزعمون أنه لم يعرف من جهته معاني القرآن، فإنهم يقولون: لم يبين ولم يبلغ، وإن كانوا يقولون ما يستلزم

(1) في الأصل:"انسرح".

ذلك ولم يفهموه، ففيهم من يعرف أنه حقيقة قولهم ويقول: إن معاني هذه الألفاظ لم يبينها، إما لأن المصلحة كانت كتمانها، وإما لأنه هو لا يعرفها. فمن الزنادقة من يقول هذا، ومنهم من يقول هذا.

وأما الذين شاهدوه فقد شهدوا له بالبلاغ، ونحن نشهد بما شهد به إخواننا الذين سبقونا بالإيمان، فإنه بلغ البلاغ المبين، وعبد الله حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وعلى آله أجمعين. ولهذا قال أبو عبد الرحمن السلمي أحد أكابر التابعين: حدثنا الذي كانوا يقرؤوننا القرآن من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما- أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل (1) .

وإذا علم أن الصحابة أخذوا عن الرسول لفظ القرآن ومعناه، بل كانوا يأخذون عنه المعاني مجردة عن ألفاظه بألفاظ أخر، كما قال جندب بن عبد الله البجلي وعبد الله بن عمر: تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن، فازددنا إيمانًا (2) . فكان يعلمهم الإيمان، وهو المعاني التي نزل بها القرآن من المأمور به والمخبر عنه المتلقى بالطاعة والتصديق، وهذا حق، فإن حفاظ القرآن كانوا أقل من عموم المؤمنين، فعلم أن بيان معانيه لهم كان أعم من بيان ألفاظه.

ومن هذا الباب صاروا يروون عنه الأحاديث التي ليست ألفاظها

(1) أخرجه أحمد في مسنده (5/ 410) وابن سعد في الطبقات (6/ 172) وابن أبي شيبة في المصنف (10/ 460) والطبري في التفسير (1/ 74) وإسناده صحيح.

(2) أخرجه ابن ماجه (61) والطبراني في المعجم الكبير (2/ 158،165) عن جندب. قال البوصيري في الزوائد: هذا إسناده صحيح رجاله ثقات.

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت