الوجه الرابع: أن أصحابه المعروفين هم الذين نزل القرآن بلغتهم، فإن لغات العرب وإن اشتركت في جنس العربية فبينها افتراق في مواضع كثيرة، والنبي صلى الله عليه وسلم لما خاطب أهل اليمن كتب إليهم بلغة هي غريبة بالنسبة إلى لغة قريش، والقرآن نزل بلغة قريش ونحوهم من أهل الحاضرة والبادية، وأولئك هم خواص أصحابه، فلا يحتاجون في معرفة لغتهم وعادتهم في خطابهم إلى شعر شاعر غيرهم، فضلًا عمن يكون حدث بعدهم.
الوجه الخامس: أن الصحابة سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث الكثيرة، ورأوا منه من الأحوال، وعلموا بقلوبهم من الأمور ما يوجب لهم من فهم ما أراد بكلامه ما يتعذر على من بعدهم. فليس من سمع ورأى وعلم حال المتكلم كمن كان غائبًا، ولم ير ولم يسمع منه، ولكن علم بعض أحواله وسمع بواسطة. وإذا كان الصحابة سمعوا لفظه وفهموا معناه كان الرجوع إليهم في ذلك واجبًا متعينًا، ولم يحتج مع ذلك إلى غيرهم. ولهذا قال الإمام أحمد (1) : أصول السنة عندنا التمسك بما كان
(1) في أصول السنة (رواية عبدوس بن مالك العطار) 25. وانظر طبقات الحنابلة =
عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولهذا كان اعتقاد الفرقة الناجية هو ما كان عليه وأصحابه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في صفة الفرقة الناجية:"هو ما كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي"، أو قال:"ما أنا عليه اليوم وأصحابي" (1) .
فثبت بهذه الوجوه القاطعة أن الرجوع في تفسير القرآن (2) -الذي هو تأويله الصحيح المبين لمراد الله تعالى به - إلى الصحابة هو الطريق الصحيح المستقيم، وأن ما سواه إما أن يخطئ بصاحبه، وإما أن يكون دونه في الإصابة. ولهذا نص الإمام أحمد على أنه يرجع إلى الواحد من الصحابة في تفسير القرآن إذا لم يخالفه منهم أحد (3) . ثم من أصحابه من يقول: هذا قول واحد، وإن كان في الرجوع في الفتيا في الأحكام إليه روايتان. ومنهم من يقول: الخلاف في الموضعين واحد (4) .
ثم نعلم أن الصحابة إذا كانوا حفظوا فالتابعون لهم بإحسان الذين أخذوا عنهم وتلقوا منهم لا يجوز أن يكونوا عدلوا في ذلك عما بلغهم إياه الصحابة، لا يجوز ذلك في العادة العامة، ولا في عادة القوم وما عرف من عقلهم ودينهم، مع ما علموه من وجوب ذلك عليهم في دينهم. فإذا كان هذا يوجب الرجوع إلى الصحابة والتابعين فكيف
= (1/ 241) وشرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (1/ 156) .
(1) أخرجه الترمذي (2641) عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وقال: هذا حديث حسن مفسر غريب لا نعرفه مثل هذا إلا من هذا الوجه. وأخرج الطبراني في الأوسط (5019،8004) عن أنس نحوه.
(2) في الأصل:"تفسير القرآن إليهم".
(3) انظر العدة (3/ 721) .
(4) انظر المسودة 336.
بالأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
وأما الطريق الثاني فمن وجوه:
أحدها: أن نقول: [من] لم يرجع إلى الصحابة والتابعين في نقل معاني القرآن وما [يراد] بها كما رجع إليهم في نقل حروفه وإلى لغتهم وعادتهم في خطابهم، فلا بد أن يرجع في ذلك إلى لغة مأخوذة عن غيرهم، لأن فهم الكلام موقوف على معرفة اللغة، وغايته أن يباشر عربًا غيرهم، فيسمع لغتهم ويعرف مقاصدهم، ويقيس معاني ألفاظ القرآن على معاني تلك الألفاظ. وهذا إنما يصح إذا سلم اللفظ من كلام العربي هذا ويسلم في القرآن أيضًا من احتمال المعاني المختلفة لمجاز واشتراك، وإلا فمتى كان اللفظ من أحدهما دون الآخر دالًا على معنى آخر بطريق الاشتراك والمجاز لم يكن المراد من أحد المتكلمين به مثل المراد به من المتكلم الآخر، فغايته فيه القياس، وهو موقوف على اتحاد معنى اللفظين.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)