إذًا، قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يبدؤوا بما بدأ به وهو الدعوة إلى التوحيد، ولا شك أن هناك فرقًا كبيرًا جدًا بين أولئك العرب المشركين - من حيث إنهم كانوا يفهمون ما يقال لهم بلغتهم -، وبين أغلب العرب المسلمين اليوم الذين ليسوا بحاجة أن يدعوا إلى أن يقولوا: لا إله إلا الله؛ لأنهم قائلون بها على اختلاف مذاهبهم وطرائقهم وعقائدهم، فكلهم يقولون: لا إله إلا الله، لكنهم في الواقع بحاجة أن يفهموا - أكثر - معنى هذه الكلمة الطيبة، وهذا الفرق فرق جوهري - جدًا - بين العرب الأولين الذين كانوا إذا دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقولوا: لا إله إلا الله يستكبرون، كما هو مبين في صريح القرآن العظيم (2) لماذا يستكبرون؟؛ لأنهم يفهمون أن معنى هذه الكلمة أن لا يتخذوا مع الله أندادًا وألا يعبدوا إلا الله، وهم كانوا يعبدون غيره، فهم ينادون غير الله ويستغيثون بغير الله؛ فضلًا عن النذر لغير الله، والتوسل بغير الله، والذبح لغيره والتحاكم لسواه .... إلخ.
هذه الوسائل الشركية الوثنية المعروفة التي كانوا يفعلونها، ومع ذلك كانوا يعلمون أن من لوازم هذه الكلمة الطيبة - لا إله إلا الله - من حيث اللغة العربية أن يتبرؤوا من كل هذه الأمور؛ لمنافاتها لمعنى"لا إله إلا الله".
غالب المسلمين اليوم لا يفقهون معنى لا إله إلا الله فهمًا جيدًا:
أما غالب المسلمين اليوم الذين يشهدون بأن"لا إله إلا الله"فهم لا يفقهون معناها جيدًا، بل لعلهم يفهمون معناها فهمًا معكوسًا ومقلوبًا تمامًا؛ أضرب لذلك مثلًا: بعضهم (1) ألف رسالة في معنى"لا إله إلا الله"ففسرها:"لا رب إلا الله!!"وهذا المعنى هو الذي كان المشركون يؤمنون به وكانوا عليه، ومع ذلك لم ينفعهم إيمانهم هذا، قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّه} (لقمان: من الآية25) .
فالمشركون كانوا يؤمنون بأن لهذا الكون خالقًا لا شريك له،ولكنهم كانوا يجعلون مع الله أندادًا وشركاء في عبادته، فهم يؤمنون بأن الرب واحد ولكن يعتقدون بأن المعبودات كثيرة، ولذلك رد الله تعالى - هذا الاعتقاد - الذي سماه عبادة لغيره من دونه بقوله تعالى: { .... وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى .... } (الزمر: من الآية3) .
لقد كان المشركون يعلمون أن قول:"لا إله إلا الله"يلزم له التبرؤ من عبادة ما دون الله عز وجل، أما غالب المسلمين اليوم؛ فقد فسروا هذه الكلمة الطيبة"لا إله إلا الله"بـ:"لا رب إلا الله!!"فإذا قال المسلم: لا إله إلا الله "، وعبد مع الله غيره؛ فهو المشركون سواء، عقيدة، وإن كان ظاهره الإسلام؛ لأنه يقول لفظة:لا إله إلا الله فهو بهذه العبارة مسلم لفظيًا ظاهرًا، وهذا مما يوجب علينا جميعًا - بصفتنا دعاة إلى الإسلام- الدعوة إلى التوحيد وإقامة الحجة على من جهل معنى"لا إله إلا الله"وهو واقع في خلافها؛ بخلاف المشرك؛ لأنه يأبى أن يقول:"لا إله إلا الله"فهو ليس مسلمًا لا ظاهرًا ولا باطنًا فأما جماهير المسلمين اليوم هم مسلمون لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:" فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله تعالى" (2) ."
لذلك، فإني أقول كلمة - وهي نادرة الصدور مني -، وهي:إن واقع كثير من المسلمين اليوم شر مما كان عليه عامة العرب في الجاهلية الأولى من حيث سوء الفهم لمعنى هذه الكلمة الطيبة؛ لأن المشركين العرب كانوا يفهمون، ولكنهم لا يؤمنون، أما غالب المسلمين اليوم، فإنهم يقولون ما لا يعتقدون، يقولون: لا إله إلا الله، ولا يؤمنون -حقًا - بمعناها (1) ، لذلك فأنا أعتقد أن أول واجب على الدعاة المسلمين - حقًا - هو أن يدندنوا حول هذه الكلمة وحول بيان معناها بتلخيص، ثم بتفصيل لوازم هذه الكلمة الطيبة بالإخلاص لله عز وجل في العبادات بكل أنواعها، لأن الله عز وجل لما حكى عن المشركين قوله: { ... مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ... } (الزمر: من الآية3) ، جعل كل عبادة توجه لغير الله كفرًا بالكلمة الطيبة: لا إله إلا الله؛ لهذا؛
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)