ـ [عمر رحال] ــــــــ [18 - 03 - 05, 01:46 ص] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الاستقامة
د. ياسر برهامي
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.
أما بعد ..
يقول الله عز وجل: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ، وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ، وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ، فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ، وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ، وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ، وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ، وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ، وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) [هود:112 - 123] .
هذه التوجيهات التي تضمنتها تلك الآيات مِن أعظمِ التوجيهات الإيمانية التي يحتاجها أهل الإيمان خَاصَّةً في زمان الفتن التي يتساقط مَن يتساقط فيها مِن أهل الغواية، ويبتعد بسببِها عن الحق مَن يبتعد مِن أهل الضلالة، فتتحير العقول وتتقلَّب القلوب، فيُثَبِّت الله عز وجل قلوب المؤمنين بما أنزل مِن كتابه الكريم مِن آيات هي نور وهدى وشفاء لما في الصدور ورحمة لقوم يؤمنون .. فاللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك.
وهذه الأوامر القرآنية التي تضمنتها الآيات أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فيها بتوجيهات عظيمة وآداب حكيمة أولها الاستقامة (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْت) .
وقد فسرها السلف بعدة تفسيرات كلها من الحق، منها وأعظمها: الاستقامة على التوحيد والإيمان وعدم الارتداد إلى الشرك؛ فإن الذي قال: ربي الله، ثم استقام على ذلك فلم يرجع ولم يبتعد قد حصَّل أصل الاستقامة, ولا تحصل الاستقامة إلا بالاستقامة على التوحيد والإيمان والابتعاد عن الشرك والطغيان الذي هو مجاوزة الحد والذي هو أعظم الظلم والعياذ بالله.
وأصل الاستقامة في القلب، فيستقيم القلب على الإيمان حبًا لله عز وجل، وخوفًا، ورجاءً، وتوكلًا، وإنابةً، وشوقًا إليه سبحانه، وزهدًا في الدنيا، ورغبةً في ما عند الله، وشكرًا لنعمه، وصبرًا على بلائه، ورضًا بقضائه .. فاستقامة القلب على الإيمان هو أصل الاستقامة التي أمر الله عز وجل بها، وهو الذي يتفرع عليه بعد ذلك أنواعها, ولذلك فلابد أن يكون المؤمن مُهتمًا بحال قلبه وبما يَرِدُ عليه مفتِّشًا فيما يقع في نفسه من خواطر وإرادات وعزائم ينظر فيها مستبصرًا: من أين أتته؟ أهي مما أمر الله عز وجل به وذلك من فضله سبحانه؟ أم هي مما يلقي الشيطان من بذور الشر والفساد لتُنبت في القلب أنواعَ الأمراض التي يريد أن يهلك بها الإنسان من إرادات العلو والفساد في الأرض, إرادة العلو بالرياسة والملك والسلطان, وإرادة الفساد باتباع الشهوات الدنيئة الخسيسة ذلك الذي يضل به الناس عن الاستقامة, وقد جعل الله عز وجل الدار الآخرة (لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَادًا) [القصص: من الآية83] , فمن الناس من يريد العلو ومنهم من يريد الفساد ومنهم من يريد العلو والفساد.
فالذين يريدون العلو -وإن لم يريدوا الفساد- يريدون ملكًا ورياسة على أي حال، ولا مانع عندهم أن يكون ذلك بالدين, وهذا يُخشى منه على الصالحين وذلك أنه لا يلزم أن يكونوا مفسدين، ولكن إذا أرادوا العلو لم يكونوا من أهل الآخرة.
وكذلك من الناس من يريد الفساد ولو لم يرد العلو, يريد أن يتمتع بالشهوات ولو كان في أذل حال ولو كان على أضل طريق وأخبثه والعياذ بالله, فليس إلا نوال خبيث وشهوة دنيئة ولو كان في أحواله كلها بأقذر مكان وعلى أضل سبيل.
فتجد كثيرًا من الناس وقد جمع ذلًا وهوانًا مع شهوات مستقذرة منحطة مترديًا لم ينل من الحظوظ إلا أوهاها، ولا من المذاهب إلا أرداها، قد فاته عز الدنيا وكرامتها مع فناء أيامها وانصرام مهامها، لم ينل منها إلا منال البهائم، وربما كانت البهائم أحسن حالًا منه حيث لا تتحمل الهم ولا تخاف فتغتم, فلا مخافة من نائبة, ولا حساب في العاقبة.
ومن الخلق من يريد العلو والفساد معًا كإبليس واليهود, ومنهم من لا يريد علوًا في الأرض ولا فسادًا وهم القلة فتلك الدار الآخرة يجعلها الله (لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [القصص: من الآية83] .
** يتبع**
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)