ـ [عبد القادر المحمدي] ــــــــ [14 - 03 - 05, 06:03 ص] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
التفرد
يعد التفرد من أهم الموضوعات التي أولاها النقاد اهتمامهم، إذ هو من أهم الوسائل لكشف الأوهام والأخطاء التي قد يقع فيها الرواة.
والتفرد: هو ما يقول فيه المحدثون النقاد:"حديث غريب"، أو"تفرد به فلان"، أو"هذا حديث لا يعرف إلاّ من هذا الوجه"أو"لا نعلمه يروى عن فلان إلاّ من حديث فلان".
قال الحافظ ابن منده:"الغريب من الحديث كحديث الزهري وقتادة وأشباههما من الأئمة ممن يجمع حديثهم إذا انفرد الرجل عنهم بالحديث يسمى غريبًا فإذا روى عنهم رجلان أو ثلاثة واشتركوا في حديث سمي عزيزًا فإذا روى الجماعة عنهم حديثًا سمى مشهورًا".
وإطلاق الغريب على ما تفرد به الراوي ولم يشاركه فيه غيره مذهب جمهور المحدثين ومنهم من غاير بينهما ورجح الحافظ ابن حجر ترادفهما لغة واصطلاحًا.
والفرد قسمان: فرد مطلق: وهو ما كانت الغرابة في أصل السند أي: في الموضع الذي يدور الإسناد عليه ويرجع ولو تعددت الطرق إليه وهو طرفه الذي فيه الصحابي"."
والفرد النسبي: سمي نسبيًا لكون التفرد منه حصل بالنسبة إلى شخص معين وإن كان الحديث في نفسه مشهورًا.
والتفرد النسبي: كما قسمه علماء المصطلح: إما أنْ يكون تفرد شخص عن شخص، أو تفرد شخص عن أهل بلد، أو تفرد أهل بلد عن شخص، أو تفرد أهل بلد عن أهل بلد، وقد مثل العلماء لكل واحدة فيها.
وتعرف الأفراد بجمع الطرق وضم النظير إلى نظيره والشبه إلى شبهه، وحينئذٍ تعرف الأفراد.
وهذا ما يسميه علماء المصطلح بالاعتبار وهو:"أنْ يأتي إلى حديث بعض الرواة فيعتبره بروايات غيره من الرواة ويسبر طرق الحديث ليعرف هل شاركه في ذلك الحديث راوٍ غيره فرواه عن شيخه أو لا؟ فإن لم يكن فينظر هل تابع أحد شيخ شيخه فرواه عمن روى عنه؟ وهكذا إلى آخر الإسناد وذلك المتابعة. فإن لم يكن فينظر هل أتى بمعناه حديث آخر وهو الشاهد فإن لم يكن فالحديث فرد فليس الاعتبار قسيمًا للمتابع والشاهد بل هو: هيئة التوصل إليهما".
وعقب الحافظ ابن حجر على قول الحافظ ابن الصلاح:"معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد"بقوله:"قد يوهم أنَّ الاعتبار قسيم لهما وليس كذلك، بل هو هيئة التوصل إليهما".
والذي استقر عليه المتأخرون في مفهوم التفرد وشاع عندهم أنَّ التفرد يقبل إذا كان من ثقة، ويرد إذا كان من ضعيف، وما كان بينهما يتحسن وقد وضحه ابن الصلاح بقوله:"إذا انفرد الراوي بشيء نظر فيه فإن كان ما انفرد به مخالفًا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك وأضبط كان ما انفرد به شاذًا مردودًا، وإن لم يكن فيه مخالفة لما رواه غيره وإنما هو أمر رواه هو ولم يروه غيره فينظر في هذا الراوي المنفرد فإن كان عدلًا حافظًا موثوقًا بإتقانه وضبطه قبل ما انفرد به ولم يقدح الانفراد فيه كما فيما سبق من الأمثلة، وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به كان انفراده به خارمًا له مزحزحًا له عن حيز الصحيح، ثم هو بعد ذلك دائر بين مراتب متفاوتة بحسب الحال فيه، فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الضابط المقبول تفرده استحسنا حديثه ذلك ولم نحطه إلى قبيل الحديث الضعيف وإن كان بعيدا من ذلك رددنا ما انفرد به وكان من قبيل الشاذ المنكر".
ومن يتتبع صنيع الأئمة المتقدمين في تعليلهم لأحاديث الثقات يرى أنهم يصرحون بذلك فيقولون لك مثلًا: انفرد به مالك ولم يتابع؟ أو أخطأ فيه شعبة إذ رواه موصولًا والجماعة رووه ولم يتابع على وصله، من يتتبع كل ذلك يجد أنَّ الإمام ابن الصلاح ومن نحا نحوه في مفهوم التفرد قد ضيقوا واسعًا، وتحدث عن جزئية من جزئيات التفرد، فمقاييس القبول أو الرد في الأفراد ليست أحوال الرواة كونهم ثقات أو ضعفاء، بل هناك قرائن تدلل علىكون أفراد الثقات تقبل هنا، وترد هناك، وإلا لأصبح قيد انتفاء الشذوذ والنكارة في حد الحديث الصحيح من قبيل اللغو!، والذي حدا بالحافظ ابن الصلاح أن يقول ذلك هو: أنَّ المتأخرين يتعاملون مع الأسانيد مجردة عن المتون - غالبًا - إذ فصلوا الأسانيد عن المتون، وأصبح تصحيحهم الحديث يعتمد على صحة السند، وهذا خلاف منهج الأئمة المتقدمين (.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)