العرب - قد فهمنا الإسلام فهمًا صحيحًا، فليس من الواجب علينا بأن نعمل عملًا سياسيًا، ونحرك الناس تحريكًا سياسيًا، ونشغلهم بالسياسة عما يجب عليهم الاشتغال به، في فهم الإسلام: في العقيدة، والعبادة، والمعاملة والسلوك!! فأنا لا أعتقد أن هناك شعبًا يعد بالملايين قد فهم الإسلام فهمًا صحيحًا -أعني: العقيدة، والعبادة، والسلوك -وربي عليها.
أساس التغيير هو منهج التصفية والتربية:
ولذلك نحن ندندن أبدًا ونركز دائمًا حول النقطتين الأساسيتين اللتين هما قاعدة التغيير الحق، وهما: التصفية والتربية، فلا بد من الأمرين معًا؛ التصفية والتربية، فإن كان هناك نوع من التصفية في بلد فهو في العقيدة، وهذا - بحد ذاته - يعتبر عملًا كبيرًا وعظيمًا أن يحدث في جزء من المجتمع الإسلامي الكبير- أعني: شعبًا من الشعوب -، أما العبادة فتحتاج إلى أن تتخلص من المذهبية الضيقة، والعمل على الرجوع إلى السنة الصحيحة، فقد يكون هناك علماء أجلاء فهموا الإسلام فهمًا صحيحًا من كل الجوانب، لكني لا أعتقد أن فردًا أو اثنين، أو ثلاثة، أو عشرة، أو عشرين يمكنهم أن يقوموا بواجب التصفية، تصفية الإسلام من كل ما دخل فيه؛ سواء في العقيدة، أو العبادة، أو السلوك، إنه لا يستطيع أن ينهض بهذا الواجب أفراد قليلون يقومون بتصفية ما علق به من كل دخيل ويربوا من حولهم تربية صحيحة سليمة، فالتصفية والتربية الآن مفقودتان.
ولذلك سيكون للتحرك السياسي في أي مجتمع إسلامي لا يحكم بالشرع آثار سيئة قبل تحقيق هاتين القضيتين الهامتين، أما النصيحة فهي تحل محل التحرك السياسي في أي بلد يحكم بالشرع من خلال المشورة أو من خلال إبدائها بالتي هي أحسن بالضوابط الشرعية بعيدًا عن لغة الإلزام أو التشهير، فالبلاغ يقيم الحجة ويبرئ الذمة.
ومن النصح أيضًا، أن نشغل الناس فيما ينفعهم؛بتصحيح العقيدة، والعبادة،و السلوك، والمعاملات.
وقد يظن بعضهم أننا نريد تحقيق التربية والتصفية في المجتمع الإسلامي كل! هذا ما لا نفكر فيه ولا نحلم به في المنام؛ لأن هذا تحقيقه مستحيل؛ ولأن الله عز وجل يقول في القرأن الكريم {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} (هود:118) . وهؤلاء لا يتحقق فيهم قول ربنا تعالى هذا إلا إذا فهموا الإسلام فهمًا صحيحًا وربوا أنقسهم وأهليهم ومن كان حولهم على هذا الإسلام الصحيح.
من يشتغل بالعمل السياسي؟ ومتى؟
فالاشتغال الآن بالعمل السياسي مشغلة! مع أننا لا ننكره، إلا أننا نؤمن بالتسلسل الشرعي المنطقي في آن واحد، نبدأ بالعقيدة، ونثني بالعبادة ثم بالسلوك؛ تصحيحًا وتربية ثم لا بد أن يأتي يوم ندخل فيه في مرحلة السياسة بمفهومها الشرعي؛ لأن السياسة معناه: إدارة شؤون الأمة، من الذي يدير شؤون الأمة؟ ليس زيدًا، وبكرًا، وعمرًا؛ممن يؤسس حزبًا أو يترأس حركة، أو يوجه جماعة!! هذا الأمر خاص بولي الأمر؛ الذي يبايع من قبل المسلمين، هذا هو الذي يجب عليه معرفة سياسة الواقع وإدارته، فإذا كان المسلمون غير متحدين - كحالنا اليوم - فيتولى ذلك كل ولي أمر حسب حدود سلطاته، أما أن نشغل أنفسنا في أمور لو افترضنا أننا عرفناها حق المعرفة فلا تنفعنا معرفتنا هذه؛ لأننا لا نتمكن من إدارتها، ولأننا لا نملك القرار لإدارة الأمة، وهذا وحده عبث لا طائل تحته، ولنضرب مثلًا الحروب القائمة ضد المسلمين في كثير من بلاد الإسلام هل يفيد أ ن نشعل حماسة المسلمين تجاهها ونحن لا نملك الجهاد الواجب إدارته من إمام مسؤول عقدت له البيعة؟! لا فائدة من هذا العمل، ولا نقول: إنه ليس بواجب! ولكننا نقول: إنه أمر سابق لأوانه، ولذلك فعلينا أن نشغل أنفسنا وأن نشغل غيرنا ممن ندعوهم إلى دعوتنا؛ بتفهيمهم الإسلام الصحيح، وتربيتهم تربية صحيحة، أما أن نشغلهم بأمور حماسية وعاطفية، فذلك مما سيصرفهم عن التمكن في فهم الدعوة التي يجب أن يقوم بها كل مكلف من المسلمين؛ كتصحيح العقيدة،وتصحيح العبادة، وتصحيح السلوك، وهي من الفروض العينية التي لا يعذر المقصر فيها،و أما الأمور الأخرى فبعضها يكون من الأمور الكفائية، كمثل ما يسمى اليوم بـ (فقه الواقع) والاشتغال بالعمل السياسي الذي
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)