فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 6938 من 56889

واليد واللسان إلى الرحمن، وما أثقل أجر ذلك الجهاد في الميزان. والجهاد بالحجة والبيان مقدم على الجهاد بالسيف والسنان؛ ولهذا أمر به تعالى في السور المكية حيث لا جهاد باليد إنذارًا وتعذيرًا، فقال تعالى: {فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} [الفرقان:52] وأمر تعالى بجهاد المنافقين والغلَظ عليهم مع كونهم بين أظهر المسلمين في المقام والمسير، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [التوبة: 73] فالجهاد بالعلم والحجة جهاد أنبياء الله ورسله وخاصته من عباده المخصوصين بالهداية والتوفيق والاتفاق، و (من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق) .

وكفى بالعبد عمى وخذلانا أن يرى عَساكَر الإيمان، وجنود السنة والقرآن، قد لَبِسوا للحرب لأمته، وأعدوا له عُدته، وأخذوا مَصافَّهم، ووقفوا مواقفهم، وقد حَمي الوطيس، ودارت رَحى الحرب، واشتد القتال، ونادت الأقران: نَزَال نَزَال، وهو في الملجأ والمغارات والمُدَّخَل مع الخوالف كَمِين، وإذا ساعد القدر وعزم على الخروج قعد فوق التل مع الناظرين، ينظر لمن الدائرة ليكون إليهم من المتحيزين، ثم يأتيهم وهو يُقسم بالله جهد أيمانه إني كنت معكم وكنت أتمنى أن تكونوا أنتم الغالبين. فحقيق بمن لنفسه عنده قدر وقيمة أن لا يبيعها بأخس الأثمان، وأن لا يُعَرِّضها غدًا بين يدي الله ورسوله لمواقف الخزي والهوان، وأن يثبت قدمه في صفوف أهل العلم والإيمان، وأن لا يتحيز إلى مقالة سوى ما جاء في السنة والقرآن، فكأَنْ قَدْ كُشف الغطاء وانجلى الغبار، وأبان عن وجوه أهل السنة مسفرة ضاحكة مستبشرة، وعن وجوه أهل البدعة عليها غبرة ترهقها قترة، {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} [آل عمران: 106] قال ابن عباس: (تبْيَضُّ وجوهُ أهل السنة، وتَسْوَدُّ وجوه أهل البدعة، والفرقة) ! فوالله لمفارقة أهل الأهواء والبدع في هذه الدار أسهل من مرافقتهم إذا [قيل] : {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ} [الصافات: 22] قال أمير المؤمنين عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه، وبعده الإمام أحمد رحمه الله تعالى: (أزواجهم) : أشباههم ونظراؤهم. وقد قال تعالى: {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ} [التكوير:7] فجعل صاحب الحق مع نظيره في درجته، وصاحب الباطل مع نظيره في درجته. هنالك والله يعض الظالم على يديه إذا حصلت له حقيقة ما كان في هذه الدار عليه، يقول: {يَا لَيْتَني اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا، يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا، لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا} [الفرقان: 27 - 29] .

فصل

وكان من قَدر الله وقضائه أن جمع مجلس المذاكرة بين مُثبت للصفات والعلو، ومُعطل لذلك، فاستطعم المعطلُ المُثْبِتَ الحديث استطعام غير جائع إليه، ولكن غرضه عَرض بضاعته عليه، فقال له: ما تقول في القرآن ومسألة الاستواء؟ فقال المثبت: نقول فيهما ما قاله ربنا تبارك وتعالى، وما قاله نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ نَصِفُ الله تعالى بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تشبيه ولا تمثيل، بل نثبت له سبحانه وتعالى ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، وننفي عنه النقائص والعيوب ومشابهة المخلوقات؛ إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل: فـ (من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كَفر، وليس ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله تشبيها) فالمشبه يَعبد صنمًا، والمعطل يَعبد عدمًا، والموحد يعبد إلهًا واحدًا صمدًا {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى:11] .

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت