فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 9847 من 56889

وعلى سبيل المثال: لقد صُدّرت الآية بذلك النداء: (يا أيها الذين آمنوا) وفي خصائص نظمه واصطفاء عناصره على هذا النحو دلالة على إلزامهم بما دخلوا فيه طوعًا من إيمان وتسليم , وإشارة إلى أن إيمانهم لا يزال فعلًا , وأنهم ما يزال فيهم بقية من غفلة , لكن أيضا فيهم تشريف لهم بتعريفهم بخير صفاتهم , وتشريفهم بمباشرة الحق _ عز وجل _ نداءهم دون قوله: - قل يا أيها الذين آمنوا - , وهذا التكليف والتذكير والتشريف المحتضن في رحم النظم , متناسق أيما تناسق مع ما هو آت من بعد) (15)

هذا نمط واحد يحمل التشريف والتكريم , كما يحمل التذكير بالغفلة , والحث على نقضها , وهكذا تفاعلَ في العنصر الواحد عاملان من عوامل الحض والتهيئة لاستقبال الأوامر والنواهي القادمة في: (فاكتبوه _ وليكتب _ واستشهدوا .. إلخ)

ثم تعاود الآية ذكر ما يهيج النفوس وُيزجي أوارها , فيقال للكُتّاب: (كما علمه الله) , هذا عنصر من عناصر التثقيف المحرضة على قبول الأمر ...

ثم يؤتى بالتكليف فيقال: (فليكتب وليملل الذي عليه الحق) ثم يأتي تثقيف آخر , أو محرض آخر فيقال: (وليتق الله ربه) فيتبعه تكليف وهو (ولا يبخس منه شيئا) .... وهكذا تظل الآية تراوح وتمازج بين التكليف والتثقيف على نحو بارز؛ لتُقبل النفوس على التكاليف إقبال رغبةٍ وشغف , وتلذذ , فترى فيما كلفت به من شرائع لذة ومتعة واسترواح ...

بل إن هذا المزج لا تحس معه أي نفس مرهفة بأي شيء من التباين والتفاضل , على الرغم مما قد يظن أن البيان التكليفي يقتضي غير ما يقتضيه البيان التثقيفي , ألفاظًا وتوقيعًا صوتيًا ... إلخ (16)

وهذا المزج (الذي لا يكاد يفصل بعضه عن بعض) بين الخطاب التكليفي والخطاب التثقيفي يشير إلى حرص القرآن الكريم على إحاطة التكاليف بالبواعث التي تضعها موضع التنفيذ السريع , وذلك ضرب من ضروب علاقات المعاني , وهي لب البلاغة ومعدنها , والذهب الإبريز الذي يتطلب البحث عنه والتعب من أجله؛ يقول الإمام عبد القاهر:(واعلم أن غرضي من هذا الكلام الذي

ابتدأته , والأساس الذي وضعته , أن أتوصل إلى بيان أمر المعاني , كيف تختلف وتتفق , ومن أين تجتمع وتفترق , وأفصل أجناسها وأنواعها , وأتتبع خاصها و مشاعها ... إلخ) (17)

أضف إلى ذلك أن قمة الجمال اللغوي أن يأتي الكلام موافقًا لطبيعة النفس البشرية , ومنسجمًا مع مداخلها , ومخارجها.

ولاشك أن النفس البشرية تنفر من التكاليف المجردة , وتتأبى على الأوامر العارية من النصح , ومن المثيرات والمحرضات , لكنها في الوقت نفسه تحب المقدمات وتُثار للمحرضات , وتسرع إلى كل شيء كانت قد هُيئت له , وكما قال عبد القاهر: (إن إعلامك الشيء بغتة ليس كإعلامك له بعد توطئة) (18)

تلك فطرة النفس البشرية التي لم يغفلها القرآن الكريم , حيث وضع المحرضات قبل , أو بعد , أو في أثناء التكاليف حتى ترغب في أدائها النفوس.

والعجيب أن آية الدين جمعت بين الأصناف الثلاثة؛ حيث سُبقت بأبلغ آية_ وآخر الآيات نزولًا _ وأكثرها دفعًا وتحريضا ً إلى الامتثال , وهي قول الله تعالى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (البقرة:281)

ثم جاءت بعد آية المداينة عدة آيات أخرى باعثة ومحرضة , وذلك قوله تعالى: (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة:284)

كما اختلطت الآية بالبواعث والمحرضات من مثل: (وليتق الله ربه) ومثل (ذلكم أقسط عند الله) ومثل (واتقوا الله ويعلمكم الله) .

وهذا يعني: أن الدَّين حمل ثقيل على كلا الطرفين , بل على جميع الأطراف: الدائن والمدين والشهود والكاتب , بل على الأمة كلها , وهذا يفسر وجه استعاذة النبي _ صلى الله عليه وسلم _ منه , حيث يقول (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن , وأعوذ بك من العجز والكسل , وأعوذ بك من الجبن والبخل , وأعوذ بك من غلبة الدين , وقهر الرجال) (19)

عاشرًا: مصطلحات وحدود

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت