فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 9992 من 56889

مقابل مشهد استكباره في تبجح صارخ يعلنه الاحتجاج المستهل بحرف (الفاء) ليفصح بأصل دلالته على التعقيب عن محذوف يكشف ما يجول في طوية نفسه:"فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمّ خُلِقَ"كأنه صيحة مدوية مؤنبة تقول: ألم تحدثك نفسك؟ , وليس للإنسان في تلك المحاكمة إلا حضورا باهتا داخل قفص الاتهام في زاوية من المخيلة بينما تشخص عيانًا أدلة التجريم؛ وكأنه تعالى يقول:"أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىَ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىَ"القيامة:40, وهذا المشهد الأصغر لتعري السرائر مثال لمشهد يوم عظيم

"يَوْمَ تُبْلَىَ السّرَآئِرُ", فتأمل الاتساق في عرض المشاهد! , تصوير عجيب يكشف ما قبل فتح الستار وحتى بعد ضمه تبقى في الخاطر شتى صور العقاب وتأز في المسامع نيران تتشوق لمن يشك لحظة في قدرة الخالق سبحانه!.

وتجاوبًا مع الإعراض عن الإنسان الغافل عن مبتداه الناكر لمصيره لم يستفته التعبير ولم ينتظر منه جوابًا بل يجرده من الأعذار, فعدل عن أداة الاستفهام (مِما؟) إلى الأداة"مِمّ"بغير ألف لأن المقام هنا لا يتعلق بالاستفهام وإنما بالتقرير, ومثله قول العلي القدير:"عَمّ يَتَسَآءَلُونَ" [النبأ: 1] , وقوله تعالى:"فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا" [النازعات:43] , وقوله:"قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ اللّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنْتُمْ مّؤْمِنِينَ" [البقرة:91] , ويصلح التقرير فيها جميعًا مع التمييز بين"ما"الاستفهامية والخبرية بحذف الألف والاكتفاء بالميم مع حرف الجر (32) . وأصل تركيب"مِمّ"": (مِن) للابتداء و (مَا) بمعنى (الذي) لكن الإبهام زاد بداية الإنسان إيغالًا في الضآلة إلى حد العدم في مرأى العين, ودليل البَدء حجة دامغة لذا فاضت به محاكمات القرآن لتجريم الغافلين عن البعث وأدانهم مرارًا سؤاله: (كيف بدأ الخلق؟) , مثل قول العلي القدير:"أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنّا خَلَقْنَاهُ مِن نّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مّبِينٌ" [يس: 77] , وقوله:"أَوَلاَ يَذْكُرُ إلإِنْسَانُ أَنّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا" [مريم: 67] , وقوله:"هَلْ أَتَىَ عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مّنَ الدّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مّذْكُورًا" [الإنسان: 1] , وقوله:"أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مّن مّنِيّ يُمْنَىَ" [القيامة: 37] , وقوله:"أَفَرَأَيْتُمْ مّا تُمْنُونَ. أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ الْخَالِقُونَ" [الواقعة: 58و59] , وقوله:"كَلاّ إِنّا خَلَقْنَاهُم مّمّا يَعْلَمُونَ" [المعارج: 39] , وقوله:"مّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلّهِ وَقَارًا. وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا" [نوح 13و14] , وقوله:"يَأَيّهَا الإِنسَانُ مَا غَرّكَ بِرَبّكَ الْكَرِيمِ. الّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ"" [الانفطار 6و7] , وقوله:"أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَلّن نّجْمَعَ عِظَامَهُ. بَلَىَ قَادِرِينَ عَلَىَ أَن نّسَوّيَ بَنَانَهُ" [القيامة 3و4] , وكذلك قوله:"قُتِلَ الإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ. مِنْ أَيّ شَيءٍ خَلَقَهُ"عبس 17و18, وهو كقوله تعالى:"فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمّ خُلِقَ. خُلِقَ مِن مّآءٍ دَافِقٍ. يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصّلْبِ وَالتّرَآئِبِ. إِنّهُ عَلَىَ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ. يَوْمَ تُبْلَىَ السّرَآئِرُ. فَمَا لَهُ مِن قُوّةٍ وَلاَ نَاصِر", وكأنه يقول: كيف يجرؤ أحد أن ينكر قدرة الله على البعث والحساب ولو حديثًا في النفس! ألم يعلم كيف كان قبل خلقه ويدرك تلاحق الذرية! , فالظاهر السؤال والمعنى التقرير والاحتجاج للإفحام, وتلمس تعجب وإعراض وتبكيت وتقريع في جو تشوبه هيبة وغلبة وتمكن واستعلاء ويصاحبه إيقاع كأنما هو في الحس قرع الطبول في ساحة معركة أو كما لو كانت قاعة المحاكمة ليست لإصدار الحكم فحسب بل ساحة لتنفيذ حكم الإعدام؛ فلا يملك المعاند إلا أن يسمع الحكم مأخوذًا بكشف السرائر مستسلمًا لهدير دلائل التجريم, وهذا أسلوب عجيب فريد جامع لا يبلغه اليوم أي كتاب يُنسب للوحي قد بلغ الذروة في التصوير وثراء المعني مع الغاية في إيجاز اللفظ, وهكذا يتصل العرض وينقلك في ومضة من مشاهد بدايات مقدرة تسبق وجود الإنسان إلى حيث يقف عاجزا معرَُى السريرة ليواجه مصيره وحده بلا أعوان فيتجلى بتلك النقلة الكبيرة الفارق في أحواله, وسرعة النقلة تؤكد سبق التقدير وتجلي قدرة

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت