قال العباس: سمعت أبا جعفر الأنباري يقول: لما حُمِل أحمدُ بن حنبل - دققوا في هذا القول -: لما حُمِل أحمد بن حنبل يراد به المأمون ، أُخبِرتُ فعبرتُ الفرات إليه ، فإذا هو في الخان ، فسلمت عليه ، فقال يا أبا جعفر تعني ـ أي أتعبت نفسك ـ فقلت: ليس هذا عناء ، قال: فقلت له: يا هذا ـ الآن أبو جعفر الأنباري لما علم أن أحمد بن حنبل حُمل إلى المأمون ليعترف أن القرآن مخلوق ، وإلا أدخل إلى السجن ـ أنت اليوم رأس ، والناس يقتدون بك ، فو الله إن أجبت إلى خلق القرآن ليجيبنَّ بإجابتك خلقٌ مِن خلقِ الله كثيرٌ ـ في بعض البلاد الإسلامية أفتى عالِمٌ بجواز الفائدة ، والإيداع بالبنوك ، ففي اليوم التالي أُودِع في البنوك أربعة وثمانون مليارًا ، ألم يقل له: يا غلام إياك أن تسقط قال: بل أنت يا إمام إياك أن تسقط ، الغلام قال: إني إنْ سقطتُ سقطتُ وحدي ، ولكن إن سقطتَ أنتَ سقط معك العالَم ، بلد إسلامي صدرت فتوى من المفتي بجواز الاستثمار الربوي ، فردّ عليه في اليوم التالي ثمانية وعشرون عالمًا ، لكن الأموال أودعت ـ وإن لم تُجِب ليمتنعنّ خلقٌ من الناس كثيرٌ ، ومع هذا فإن الرجل ـ المأمون ـ إن لم يقتلك ، فإنك تموت ، ولا بد من الموت ، فاتَّقِ الله ، ولا تجبهم إلى شيء ، فجعل أحمد يبكي ، وهو يقول: ما شاء الله ، ما شاء الله .
قال صالح بن أحمد بن حنبل ابنه الثاني:"ربما رأيت أبي يأخذ الكسرة ـ كسرة خبز ـ ينفض عنها الغبار، ويجعلها في قصعة ، ويصب عليها الماء ، ثم يأكلها بالملح"، كان متقشفًا جدًا ، وكان يأكل من عمل يده ، وكان دخله قليلًا ، مع كل هذا العلو في الأرض ، ومع كل هذه السمعة الطيبة ، ومع كل هذا التعظيم كان فقيرًا .