[البخاري ـ الترمذي ـ أحمد ـ الدارمي]
أنت الآن أصبحت داعية، قالوا:"قدم وكيع علينا، فجعل يقول: حدثني الثبت، فظننا أنه اسم رجل، فقلنا: من هذا الثبت أصلحك الله، قال: مالك بن أنس"، الثبت: أي الدقيق في حفظه، الدقيق في روايته، عدل في أخلاقه، ثبت في حفظه.
قال ابن المهدي:"ما رأيت أحدًا أعقل من مالك"، وهناك بعض الأقوال عن الإمام مالك هي في الحقيقية منامات، وأنا ليس من عادتي أن أجعل من عماد الدرس الكرامات، ولا المنامات، مع أني أعتقد بها، الكرامة أعتقد بها، وأصدقها، ولا أرويها إلا إن كان فيها نص صحيح، ولكن مثلًا: قال: كنت عند مالك بن أنس فأتاه ابن أبي كثير قارئ أهل المدينة، فناوله رقعةً، فنظر فيها مالك، ثم جعلها تحت مصلاه، فلما قام من عنده ذهبتُ، فقال: اجلسْ يا خلف، وناولني الرقعة، فإذا فيها: رأيت الليلة في منامي كأنه يقال لي: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فأتيت المسجد فإذا ناحية القبر قد انفرجت، وإذا رسول الله جالس، والناس حوله يقولون له يا رسول الله مُرْ لنا، فيقول له: إني قد كنزت تحت المنبر كنزًا، وقد أمرت مالكًا أن يقسمه فيكم، فاذهبوا إلى مالك، فانصرف الناس، وبعضهم يقول إلى بعض: ما ترون مالكًا فاعلًا؟ قال بعضهم: ينفذ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سمع مالك بكى.
الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو تُرى له، بشارة من الله، فإذا صلح حالُ الإنسان مع الله كثيرًا، وأخ كريم رأى له رؤيا، وهي بشارة من رسول الله، أو من صحابي جليل، أو من عالم جليل، أو رآه في حالة جيدة، ونقلها له، فهذه بشارة، فكأن هذا المنام بشارة لسيدنا مالك أن له مقام رفيع عند رسول الله، ونسأل الله أنْ يجعلنا من هؤلاء الذين يستحقون أن يُبَشَّروا، ولكن واللهِ لو أن إنسانًا أكرمه الله بأن يرى رسول الله في المنام، فلعله يبقى أشهرًا تلو الأشهر، وهو منغمس في سعادة لا توصف، لأن سيد الخلق قمة البشر في حبه وفي أحواله وفي إقباله، وفي سعادته.
قال ابن المهدي:"ما رأيت أحدًا أعقل من مالك".
قال أحد العلماء: سمعت مالكًا سُئِل عن ثمانية وأربعين مسألة، فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري، الإمام مالك إمام دار الهجرة، العالم الفذ، الراوي، المحدث، المجتهد، قال أحد العلماء سمعت مالكًا سئل عن ثمانية وأربعين مسألة، فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري، فوطِّنوا أنفسكم أن نصف العلم لا أدري، ومن قال: لا أدري فقد أفتى، فلا تخجل، قل: لا أدري، وأنت عالم، أما إذا تكلمت بكلام على عواهنه فهذا هو الجهل بعينه، والعياذ بالله، فإما أن تفتي بعلم، وإما أن تفتي بجهل، وأما الثالثة فإجرام، بأن تفتي بخلاف ما تعلم، تعلم حكمًا شرعيًّا، ولكن لمصلحة دنيوية تفتي بخلاف ما تعلم.