(مَن) لا تعني واحدًا، بل تعني الجمع، جاء مَن تحبه، قد تعني أناسًا كثيرين تحبهم، فالإمام الشافعي كان من مجدِّدي هذا الدين.
وكان أحمد بن حنبل لا يميل إلى أحد كما يميل إلى الإمام الشافعي، انظر إلى الأئمة الكبار، لا يتحاسدون، ولا يتنافسون، ولا يطعن بعضهم في بعض، بل كان كل منهم يعجب بالآخر، ويثني عليه، ويمدحه في حضرته، وفي غيبته، وإنّ الحسد من صفات ضعاف الخلق، فالإمام أحمد بن حنبل كان يثني على الشافعي، وكان لا يميل إلى أحد كما يميل إلى الإمام الشافعي.
وتذاكر بعض العلماء في مسألة فقال بعضهم: لا يصح فيها حديث، قال: إن لم يصح فيها حديث ففيه قول للشافعي، لشدة علمه، ودقته، وقوة استنباطه، وحجته، قول الإمام الشافعي يعد حجة عند بعض العلماء هكذا قالوا: الشافعي كلامه صواب.
وقال أبو عبيد:"ما رأيت رجلًا أعقل من الشافعي"، والحقيقة ما مِن إنسان أعقل ممن يعمل لساعة الفراق، ولا أحَدَ أعقل ممّن يعمل لآخرته، ولا أحَدَ أعقل ممن يطيع الله، لا أَحَدَ أعقل ممن يؤثر رضى الله على هوى نفسه، ولا أعقل ممن يبذل في الدنيا.
مرة قال لي رجل: إذا رفّه المسلمُ نفسَه زيادة فهل عصى الله؟ قلت له: هذا المال الزائد عن حاجتك يمكن أن يجعلك ترقى به في الجنة إلى أعلى عليين، فإذا استهلكته في الدنيا تكون مغبونًا، خذ من المال ما تحتاج، ودع الباقي، فَلَأَنْ ترقى في الجنة، وتصل إلى أحد قصورها الكبيرة خير لك مِن الدنيا وما فيها.
حتى إن بعضهم قال: الشافعي إمام، فمن الممكن أن تقول: فلان عالم، مثلًا، أو حافظ، وفلان محدِّث، وفلان فقيه، وفلان أصولي، وفلان عالم عقيدة، وفلان عالم بمتن الحديث، وفلان قاضٍ، وفلان مجتهد، أما كلمة إمام فكبيرة جدًا، يعني إمام عصره، فقال بعضهم: الشافعي إمام، إمام لعصره، سبحان الله فالإنسان أحيانًا يغار من أخ فاقه في الدنيا، يغار من إنسان حاز الدنيا، ولا نغار من إنسان حاز الآخرة، أو حاز علمًا عظيمًا، أو عملًا طيبًا، أو ذكْرًا عطرًا، أو فهمًا لكتاب الله، أو حفظًا لسنة رسول الله، أو دعوة إلى الله.
وقال أبو ثور: من زعم أنه رأى مثل محمد بن إدريس في علمه وفصاحته، ومعرفته، وثباته، وتمكنه فقد كذب، كان وحيد عصره، وفريد زمانه"، والإنسان قد يكون في العصر وحيدًا، هذه مرتبة عالية جدًا، وقد يكون له أنداد، وأمثال كثيرون، وأحيانًا ينفرد عالِم في التفوق في عصره، حتى يقال عنه: إنه وحيد عصره، وفريد زمانه، ويبدو أن الشافعي كان وحيدَ عصره، وفريدََ زمانه."