الصفحة 70 من 94

قال: كان الشافعي مُنقَطع القرين في حياته فلما مضى لسبيله لم يُعوض بدلا منه، الحقيقة الله ينزع العلم بموت العلماء، يموت العالم فلا يأتي خلف له، لذلك قال أحد العلماء: عندنا عالم جليل، يحضر درسه ثلاثون أو أربعون رجلًا، فلما توفاه الله سار في جنازته مليون إنسان، وهناك عالم آخر ذو دعابة قال: يا إخوان أنا أسامحكم في الجنازة، فتعالوا وأنا على قيد الحياة، واحضروا درسي، الناس يميلون إذا مات العالم إلى تقديسه، ولكن النفع وهو حيٌّ يُرزَق، فجالسوه، وهو بين أظهركم، تعلموا، وخذوا منه، واستفتوه، واهتدوا بدعوته، فلما هلك قالوا لن يبعث الله من بعده رسولًا (سيدنا يوسف) ، المشكلة أننا يجب أن نعرف العالم في حياته، وليس بعد مماته، فلذلك قالوا: كان الشافعي مُنقَطع القرين في حياته، فلما مضى لسبيله لم يُعوض بدلا.

وهنا نقطة هامة عن الإمام الشافعي، وهي أنك قد تقرأ كتابًا لإنسان فتمتلئ تعظيمًا لمؤلفه، فيه دقة، ونصوص، وأدلة، وعمق، وتعليل، وتفسير، وشمول، واستيعاب، وحجة قوية، وضع يده على الجرح، ولامسَ شغاف القلب، فترك أثرًا، فإذا التقيت بهذا الإنسان تفاجأ أنه أقل من كتابه، أنا كنت أقول: أحيانًا تلتقي بإنسان له باع طويل في العلم، لكن معاملته ليست كما ينبغي، فتقول: ليت أخلاقه كعلمه، وأحيانًا تلتقي بإنسان أخلاقه عالية، ولكن علمه قليل فتقول: ليت علمه كأخلاقه.

النبي عليه الصلاة والسلام لما رأى سيدنا زيد الخير قال: لله درك يا زيد، أيّ رجل أنت؟! ما وُصِفَ لي أحد فرأيته إلا رأيته دون ما وصف إلا أنت.

قد تسمع عن إنسان، ثم تلتقي به فتراه أصغر ممّا وُصف لك، تسمع عن مكان، ثم تذهب إليه فتجده أقلَّ مما وُصِفَ لك، وتسمع عن آلة، فتشتريها، وتستعملها فإذا هي أقلُّ مما ذكر لك، أكثر الناس وصفُهم أكبر من واقعهم، فإذا التقيت به كان بحجمٍ أقل.

لله درك يا زيد أي رجل أنت؟! ما وُصِف لي أحد فرأيته إلا رأيته دون ما وصف، إلا أنت لما رأيتك كنت أكبر مما وصف لي.

قد تقرأ كتابًا لمؤلف، فإذا التقيت به ألفَيتَه أصغر من حجمه، حدثني أخ درس في الجامعة علم النفس، وفيها أحد أكبر علماء النفس في قطر عربي، فهذا العالم له مئات الكتب له، قال لي اسمه كبير جدًا، وفي أحَد المؤتمرات حضر هذا العالم، وجلس معه في جلسة فرآه دون كتبه، هنا القول: ما رأيت أحدًا إلا وكُتُبُه أكبر من مشاهدته، إلا الشافعي إن شاهدته فهو أكبر من كُتُبِه، أحيانًا تقرأ كتابًا فترى أن الكتاب أكبر من مؤلفه، نحن اتفقنا ليكن علمك كأخلاقك، لكي لا يقال: ليت علمه كأخلاقه، أو ليت أخلاقه كعلمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت