وقال بعضُ أهل ِ الكلام"إن أولَ واجبٍ هو النظر"وبعضهم تنطع فقال"بل أوّلُ واجبٍ هو القصدُ إلى النظر ِ"وأقبحُ من ذين من قال"إن أولَ واجب ٍ هو الشكُّ"أي أن يشكَّ الإنسانُ في وجود ِ الإله ثم ينظرُ بعدُ في الأدلة. وبئسَ ما قالوا وهي أقوال ظاهرةُ الفساد ِ والبطلان ِ"والنظرُ مشروعٌ لكن لا يقال"أول واجب"! بل النظر من الأسباب ِ التي يقوى بها إيمانُ المؤمن , وأثنى اللهُ على أوليائه المتفكرين في المخلوقات"ويتفكرون في خلق ِ السموات والأرض ربنا ما خلقتَ هذا باطلا ً سبحانك فقنا عذاب النار""
لا شيءَ مثلَه ..
5_ يجبُ الإيمان بأن الله َ تعالى موصوفٌ بالكمال ِ , وإثابتُها التي وصفه بها نفسَه , ليستْ منَ التشبيه ِ في شيء ٍ خلافا ً للمعتزلة ِ والجهميَّة ِ ومن وافقهم , من زعم أنَّ إثباتَ الصفات ِ تشبيهٌ , وأصلُ هذه الشبهة ِ قولهم"المخلوقُ يوصَفٌ بأنه عليمٌ وسميع وبصير فلو أثبتْناها إلى الله ِ لكان مماثلًا للمخلوق ِ"
وردَّ عليهمْ أهلُ السنةِ فقالوا"يلزمكم أن تقولوا إنَّ وصفه تعالى بالوجودِ تشبيهٌ ,فالله تعالى موجود ٌ , والمخلوق موجود , ولكلٍّ منهما وجودٌ يخصه , وليس الموجودُ كالموجود".
ولا شيء يُعجزه ..
6_ ودليلُه قولُه تعالى"وما مسّنا من لغوب"وقوله"ولا يؤوده حفظُهما"وكلُّ ما يوصَف اللهُ به من النّفيِ فإنه متضمنٌ لإثبات ِ كمال , هذه قاعدة , فاللهُ تعالى لا يوصفُ بنفي ٍ محض ٍ لا يدلُّ على ثبوت ٍ , فإنَّ النفيَ المحضَ ليس فيهِ مدحٌ , وإنما المدحُ في النفي المتضمِّنِ للكمال , فاللهُ موصوفٌ بالنفي والإثبات.
فنفيُ السَّنَةِ والنوم ِ متضمنٌ لكمال ِ حياتِه وقيّوميّته , وقوله"لا يعزُب عنه مثقال ذرة"يتضمن كمال العلم ِ وقولُه"ولا يظلمُ ربّك أحدا"يتضمن العدل , وأما المعطلةُ فإنهم يصفونه بالنفي المحض ِ كقولهم"إن الله لا يجهلُ"وقد يقولون"إن الله َ لا يعجز"لكنهم لا يُثْبِتُونِ الأضداد.
قديمٌ بلا ابتداء ٍ , دائمٌ بلا انتهاء ٍ , لا يفنى ولا يَبيد ..
7_ القديمُ في اللغة: ضدُّ الحديث ِ كقوله"قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون* أنتم وآباؤكم الأقدمون"وأصلُ القديم ِ المتقدِّم على غيره فيشمل"التقدم المطلق *و * التقدم النسبي"أما التقدُّمَ المطلقُ فهو لله تعالى سابقٌ في وجوده كلَّ شيء , ولا بداية لوجوده لذا قال المؤلف"بلا ابتداء"ويقال أزلي وهو الماضي لا حدّ له.
فالله أزلي أبدي , وليسا من أسمائه الحسنى التي يُثنى عليه بهما ويدعى بهما , فلم يردا في الكتاب ِ ولا السنة , إنما يصحُّ الإخبار بهما عن الله فتقول"الله موجود وشيءٌ وله ذاتٌ وقديم ٌ ودائمٌ"
ولكن ورد"الأول"والآخر"في القرآن الكريم (هو الأول والآخر والظاهر والباطن) "
وغلبَ على أهل ِ الكلام ِ إطلاق لفظ (القديم) على الله تعالى فيقولون: هذا يجوزُ على القديم ِ وهذا لا يجوز على القديم وهذا من أغلاطهم.
وأما التقدّم النسبي فهو للمخلوقاتِ"فبضعها متقدِّم على بعض"
ولا يكونُ إلا ما يريد ..
8_ الإرادةُ المضافةُ إلى الله ِ نوعان: 1_ إرادةٌ كونيَّةٌ 2_ إرادةٌ شرعيّةٌ. فمن شواهد الإرادة ِ الكونيَّة قوله تعالى (ومن يردْ أن يضلَّه) (فمن يرد الله ُ أن يهديه) وبمعنى المشيئة تماما (إن الله يفعل ما يشاء)
ومن شواهد ِ الإرادة ِ الشرعية قوله تعالى (يريدُ الله ُ بكم اليُسْرَ ولا يريدُ بكم العسر) (يريدُ اللهُ ليبيِّنَ لكم)
والفرق بين الإرادتين من وجهين:
1_ أن الإرادة َ الكونية: عامةٌ لكل ما يكونُ , لا يخرجُ عن شيء ٍ , فيشمل ما يحبه الله وما يبغضه
2_ أن الإرادة َ الشرعية: مختصةٌ بما يحبّه الله عزوجل فالكونية لا تستلزم المحبة بخلاف الشرعية
3_ أن الإرادة َ الكونيّة: لا يتخلّف مرادُها أبدا ً
4_ أن الإرادةَ الشرعية: لا يلزمُ منها وقوع المراد
فتجمتع الإرادتان ِ في إيمان ِ المؤمن , وتنفرد الكونيةُ في كفر الكافر , فلا نقول"إن اللهَ شاء من أبي جهل ٍ الإيمان ِ"لا , لأن الشرعية لا تفسر بالمشيئة ِ بل نقول"إن الله أرادَ منه الإيمان"فالمشيئةُ كونيةٌ فقط
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)